الرياح الاقليمية والداخلية الاسرائيلية تعصف باتفاق واي بلنتيشن

بقلم ممدوح نوفل في 05/12/1998

بعد العملية الفاشلة التي نفذتها حركة الجهاد الاسلامي في القدس يوم 6/11/1998 قررت حكومة نتنياهو تاجيل المصادقة على اتفاق واي بلنتيشن، وربطت المصادقة عليه ووضعه موضع التنفيذ باثبات السلطة الفلسطينية جدارتها في مكافحة الارهاب ومنع وقوع عمليات ارهابية ضد اهداف اسرائيلية، واتخاذها اجراءات امنية ملموسة ضد البنية التحتية للقوى المتطرفة المعادية لعملية السلام. وعادت وكررت معزوفة الغاء بنود الميثاق في دورة خاصة يعقدها المجلس الوطني. وبدلا من معارضة هذا الاجراء أحادي الجانب أعلنت الادارة الامريكية تفهماها له، وأجّلت رحلة “روس” منسق عملية السلام للمنطقة وتمنت ان يكون التاجيل لبضعة ايام فقط. فهل ستصادق الحكومة الاسرائيلية على الاتفاق؟ وهل ستنفذه؟ وكيف ستتصرف اذا وقعت عمليات أخرى كما هو متوقع؟
وتؤكد ان تراجع نتنياهو لم يكن نتيجة تغيير نوعي في قناعاته بمقدار ما هي رضوخ لضغوط خارجية قوية.
وفقا للحكمة القائلة الاعمال تقاس بنتائجها بصرف النظر عن دوافع مخططي ومنفذي عملية القدس فالواضح انها سقطت على نتنياهو من السماء، وكان ينتظرها. ولا ادري اذا كان تاجيله اقرار الاتفاق مدة 24 ساعة له علاقة بمعرفته المسبقة باحتمال وقوعها ام الموضوع جاء مصادفة؟
قبل البحث الموقفين الاسرائيلي والامريكي لعل من المفيد التوقف قليلا امام موقف المعارضة الفلسطينية من اتفاق واي بلنتيشن وسبل تعبيرها عن رفضها له.
ولا اتجنى على احد اذاقلت ان عملية القدس الفاشلة سقطت عليه من السماء
رفع نتنياهو مستوى الابتزاز والضغط على السلطة الفلسطينية، ودفعها نحو توظيف طاقتها، للقيام بدور اكبر باتجاه قضايا الامن الاسرائيلي،والحفاظ على امن المواطنيين الاسرائيليين اينما تواجدوا، حتى لو ادى ذلك الى حرب اهلية فلسطينية.
*،بينت الوقائع قبل عملية القدس ان نتنياهو يعمل بكل السبل على تاجيل الشروع في تنفيذ الاتفاق على امل الهروب اطول فترة زمنية ممكنة من دفع الاستحقاقات التي تضمنها.
*ولا حاجة لان يكون الانسان نبيا حتى يتنبأ ويقول ان الخضوع والاستجابة لابتزازات نتنياهو وحكومته في الاسابيع والشهور القادمة سوف يلحق افدح الاضرار بالعلاقات الوطنية الفلسطينية، وبعلاقة السلطة مع شعبها داخل وخارج الوطن. ويفترض ان لا يكون هناك خلاف على ان المصالح الوطنية الفلسطينية والقومية العربية،ومصلحة صنع سلام حقيقي شامل وعادل تتطلب وضع نتنياهو امام مسؤولياته،وعدم تمكينه من الهروب منها تحت مظلة فلسطينية .
::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
اعتقد ان الشق الاول من اتفاق طابا والمتعلق بالانسحاب من المدن والقرى الفلسطينية، وبنقل السلطات المدنية، سيتم تنفيذه وفقا للجدول الزمني الاسرائيلي. اما بشأن التوصل الى اتفاقات مع الفلسطينيين حول الشق الثاني من ذات الاتفاق أي الانسحاب من المنطقة ‏(جـ) ومن مدينة الخليل، واجراء الانتخابات الفسطينية، وتنصيب المجلس المنتخب، والغاء بنود الميثاق الوطني الفلسطيني فالمرجح ان تقع حولها خلافات تعطل تنفيذ بعضها، وتعقد العلاقات بين الطرفين. لاسيما وان تنفيذ هذه القضايا سوف يتداخل مع فترة الانتخابات الاسرائيلية، سواء تم تبكيرها او جرت في موعدها الطبيعي. وخلال فترة الانتخابات سيضطر بيريز وكل اركان الاتجاه المعتدل في قيادة حزب العمل مراعاة الاتجاه المتشدد بصيغة او اخرى
اعتقد بان المقتنعين بهذا الفهم السياسي لمواقف الاطراف الفلسطينية والاسرائيلية من عملية السلام، وبهذه النظرة للعمليات التي تتم بين فترة واخرى، لم تفاجئهم عملية القدس ولن يتفاجئوا اذا وقعت في الايام والاسابيع القليلة القادمة عمليات اخرى، خاصة اذا نجحت زيارة روس واعادة الامور الى نصابها. فعملية محنية يهودا تمت لتعطيل تنفيذ الاتفاق
وأظن ان الرئيس كلينتون اخطأ عندما قرر تأجيل زيارة روس.. ومن البديهي القول ان مباحثاته مع الجانب الفلسطيني سوف تتركزعلى مسالة الامن، ليس لان هذه المسألة تمثل هوسا عند نتنياهو ويصر على حصر البحث فيها، بل لان الدلائل والمؤشرات تشير الى رضوخ الادارة الامريكية لمطالب المتطرفين. وطالما انها تفاعلت مع اهداف اعداء عملية السلام ومفجروا العبوات، فلعل من المفيد لها ولكل المعنيين بتوظيف موضوع الامن في خدمة السلام، وليس في قتله، ان يعالجوا العملية وموضوع الامن بابعاده ومفهومه الاستراتيجي وليس الطارئ المباشر كما يريد نتنياهو وبقية المتطرفون. وفي هذا السياق لعل من المفيد رؤية الحقائق التالية عند معالجة الموضوع:
1) ان منطلقات نتنياهو في اتهام السلطة الفلسطينية ورئيسها بالتقصير سياسية بالاساس. ولا علاقة لها بالتقديرات الامنية السليمة، ولا بتقارير رؤساء أجهزة الامن الاسرائيلية. فنتنياهو يعرف اكثر من سواه بان العملية الحقت اضرارا واسعة بالمصالح العليا للشعب الفلسطيني على اكثر من صعيد وفي اكثر من اتجاه. وقدمت خدمة كبرى للمواقف والسياسات المعادية لعملية السلام. وأظن ان القدر استجاب لرغبة نتنياهو بوأد اتفاق واي . واتهام نتياهو للسلطة وعرفات بالتقصير في محاربة الارهاب ينطوي من زاوية التحليل الامني على اتهام مباشرلأجهزة الامن الاسرائيلية بالفشل. فاذا كان الامن الفلسطيني قد قصر في كشف العملية قبل وقوعها فتقصير اجهزة الامن الاسرائيلية ومعها المخابرات الامريكية والاوروبية أفحش، لاسيما وان جميعها معلنة الحرب دون هوادة على الارهاب منذ سنوات ولم تتوقف لحظة واحدة عن مكافحته، وبعضها كان مستنفرا تحسبا لوقوع العملية جديدة.
2) اعتقد بان علماء علم الامن، وخبراء مكافحة الارهاب يعترفون بان مكافحة الاعمال الانتحارية ليس سهلا. وان الاساس في منع وقوعها هو العمل الاستخباري المسبق طويل النفس. وتفعيل الامن الوقائي ببعديه الداخلي الامني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبعده الخارجي المدروس بدقة، استخباريا وسياسيا. وليس بالتخبط، “وفشة الخلق” في الغير. واعتقد بان دفع السلطة الفلسطينية نحو خرق حقوق الانسان الفلسطيني وفرض قانون جائر على شعبها يقول “المشبوه مدان، ويجب ان يبقى قيد الاعتقال ريثما تثبت براءته”، لا يعالج المشكلة. فدفعها نحو شن حملة اعتقالات شاملة ضد البنية التحتية لحركتي حماس والجهاد الاسلامي بما في ذلك اغلاق مؤسساتها الانساسية واعتقال قادتها وكوادرها السياسية، التي لا علاقة لها بالعمل العسكري، لن يقلص نسبة العمليات العسكرية ضد اهداف مدنية اسرائيلية، بل يؤججها. ولن يوقف الارهاب وانما يقدم له دوافع ومحفزات ومنشطات جديدة منها اطلاق سراح القادة المعتقلين ورفع الظلم عن الابرياء..الخ.
3) أظن اني لا أكتشف البارود من جديد او أكشف سرا جديدا، اذا قلت بأن حركتي حماس والجهاد الاسلامي جزء من تيار عقائدي سياسي اقليمي معارض لعملية السلام، وغير مقتنع بخطوات السلام التي تمت حتى الان. وله مصالح جوهرية مشتركة في تعقيد عملية السلام على مسارها الفلسطيني، وتخريب العلاقات الفلسطينية الاسرائيلية، يساند، بدوافع عقائدية، بعضه بعضا، سياسيا ماديا ومعنويا لمقاومتها وقتل ما نشأ عنها من اتفاقات. ويفترض باركان الادارة الامريكية ان يكونوا مدركين بان استقرار الاوضاع الامنية الاسرائيلية وفي الاراضي الفلسطينية، ليس مرهونا بالنشاط الامني الفلسطيني فقط، او الفلسطيني الاسرائيلي الامريكي المشترك، بل وأيضا باستقرار الوضع الامني العام في المنطقة ككل، لا سيما وان القضية الفلسطينية يتداخل فيها الوطني بالقومي بالاممي الاسلامي، وهذا التداخل كفيل بارساء اسس قوية لتعاون مشترك لخدمة الاهداف السياسية والامنية المشتركة.
4) تعرف القيادة الاسرائيلية والسيدة اولبرايت بان قيادتي حركتي حماس والجهاد الاسلامي المقررة لا تقيم في الاراضي الفلسطينية المحررة، او التي ما زالت تحت الاحتلال. وان نوعية وتوقيت نشاط دواخلهما وبخاصة الامني والعسكري يقرر من الخارج في اطار هيئات قيادية عسكرية أمنية خاصة، ويخضع لمصادقتها قبل التنفيذ. وتجربة الاسرائيليين مع العمل العسكري الفلسطيني وضمنه العمليات الخاصة الانتحارية تؤكد بأن دور الخارج لا يقتصر على التخطيط والتقرير فقط، بل كثيرا ما تحمل الخارج مسؤولية كاملة وكلية عن التحضير والنقل والتنفيذ، ودون الاعتماد على بنية تحتية محلية. واعتقد بان حالة القهر والاحباط التي يعيشها اللاجئون والنازحون الفلسطينيون تشكل ارضية خصبة لنشاط القوى الفلسطينية والاقليمية المعارضة لعملية السلام، ولتفريخ انتحاريون ايضا. ويعرف رجال المخابرات والاستخبارات الاسرائيلية والدولية ان تنفيذ عمليات خاصة انتحارية لا يتطلب بنية تحتية طويلة عريضة سهلة الكشف كما يقول نتنياهو. وان كل ما يحتاجه يمكن ترتيبه مسبقا من الخارج، او بالاستعانة بعدد قليل جدا من الداخل لا يتجاوزعدده اصابع اليد الواحدة، وان هذا العدد البسيط يمكن ان يبقى سريا لفترة طويلة جدا، لا سيما وان بالامكان اخفائه حتى على المنفذين.
5) الكل يعرف بان عملية شارع بن يهودا 4/9/97 تمت والاغلاق مفروض على مناطق السلطة الفلسطينية. وان منح بضع آلاف من العمال الفلسطينيين تصاريح عمل لا يعني ان الطوق الامني المضروب على الضفة والقطاع منذ 30/7/1997 قد رفع، وتسبب في نجاح المفجرون المنتحرون في الوصول لهدفهم. واجهزة الامن الاسرائيلية تعرف تماما ان لا علاقة اطلاقا بين العملية الاولى او الثانية برفع الطوق الامني. ويستطيع كل مبتئ في علم الامن التأكيد بان العقوبات الجماعية ضد الشعب، ومنع ما لايقل عن نصف مليون انسان (100ألف عامل مع اسرهم) من الحصول على قوتهم، ومنع سكان المدن والقرى من التواصل فيما بينهم هو الذي يقوي التطرف والارهاب، ويولد القهر ويخلق محفزات للانتقام. ويضعف قدرة اجهزة الامن الفلسطينية والاسرائيلية على انجاز مهامها، ويربك عملها اليومي، ويسهل على المتطرفين ايجاد اناس مستعدون للانتحار في مواجهة الظلم والجوع. وتحميل نتنياهو السلطة الفلسطينية مسؤولية وقوع العمليتين خلال اقل من 40 يوم، ليس سوى تهرب من تحمل المسؤولية. وهروب من الاعتراف للشعب الاسرائيلي بفشله في تحقيق الامن الذي وعدهم بتحقيقه، ومن الاعتراف بالحقيقة القائلة لا أمن بدون سلام.
وبصرف النظر عما ستقوم به اولبرايت وما سيقوم به نتنياهو قبل وبعد زيارتها تبقى الحقائق اقوى من كل الاجراءات وسيبقى الامن الاسرائيلي الاستراتيجي وليس التكتيكي مربوطا بعملية السلام فبمقدار تقدمها الجوهري يضعف ويتراجع المتضررون وعكس ذلك صحيح. لقد جربت اسرائيل نظرية نتنياهو نصف قرن وأكدت وقائع الحياة فشلها، الا انه مصر على التمسك بها وتطبيقها، لان الاعتراف بفشلها ينسف معتقداته وينهي وجوده في السلطة.
**ويمكن القول ان تمترسه عند مواقفه ستعيد لنا وللاسرائيليين وللعالم صورة الانفجارات التي وقعت في سوق محنية يهودا وفي شارع بن يهودا بأشكال متنوعة. وسنعود كثيرا اسرائيليون وفلسطينيون وامريكيون لسماع ذات النغمة من نتنياهو حول الامن وحول تقصير السلطة الفلسطينية في مكافحة الارهاب، وسماع اصوات حناجر الفلسطينيين رجال ونساء عمال وتجار وطلاب وفلاحين ومثقفين وهم يحتجون ويستنكرون العقاب الجماعي الذي يمارس ضدهم، لحين وقوع الانفجار الكبير. وقراره عدم تنفيذ الانسحاب الثاني من الريف الفلسطيني، وان تأخذ اجهزة الامن على عاتقها وحدها مسؤولية مكافحة الارهاب بما في ذلك داخل مناطق السلطة الفلسطينية يعني من ناحية دفع هذه الاجهزة نحو فشل محتم، ودفعها ثانيا نحو الدخول في صراع مباشر ومكشوف مع اجهزة الامن الفلسطينية بدلا من التعاون معها في مكافحة كل ما يلحق الضرر بعملية السلام وبمصالح الطرفين. ناهيك عن كونه قرارا انفعاليا متسرعا يحمل في طياته مخاطر التحول بسرعة الى شرارة تشعل قتالا واسعا بين السلطة وحكومة نتنياهو. ضحيتها الاولى هما الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي، والجهود الدولية التي بذلت من أجل صنع السلام في المنطقة وتعايش الشعبين على ارض واحدة. ومهما حصل في الايام والاسابيع القادمة، تبقى اجراءات نتنياهو وقراراته تندرج في خانة الانتقام من شعب يكن له الكراهية والعداء اسمه الشعب الفلسطيني حتى لو غلفها بدماء الاسرائيليين.

نتنياهو يضع الفلسطينيين أمام خيارات صعبة
ممدوح نوفل
منذ انطلاقة عملية السلام في مدريد في اكتوبر 1991، مرت القيادة الفلسطينية والعلاقات الفلسطينية الاسرائيلية في ازمات كثيرة. ومرت عملية السلام على المسار الفلسطيني الاسرائيلي في عدد من المحطات السياسية الحاسمة والصعبة. الا انني اعتقد ان ما توجهه في هذه الفترة هو الاعقد والاخطر. وتشبه الى حد كبير الازمات مرت بها في عهد شامير، وبخاصة تلك التي مرت بها اوخر عهده، وعلى ابواب انتخابات صيف 1992. في تلك الفترة تمرد شامير على الرأي العام العالمي، ورفض تجميد الاستيطان، وراح يتلاعب بالمفاوضات على كل المسارات، وجعلها تدورفي حلقة مفرغة بشكل فج ومكشوف. في حينه لم تتردد ادارة بوش ـ بيكر عن اعلان موقف واضح ضد ما كان يقوم به شامير، وسارعت الى التدخل بشكل حازم لانقاذ عملية السلام. وربطت تقديم ضمانات القروض الامريكية التي كان يطالب بها شاميرلاستيعاب وتأهيل المهاجرين الجدد، بموقفه من عملية السلام، وبخاصة موقفه العملي من مسألة الاستيطان.
صحيح ان الازمة الحالية امتداد لتلك التي واجهتها المفاوضات والعلاقات الفلسطينية الاسرائيلية منذ استلام الليكود السلطة في اسرائيل في حزيران الماضي، عندما استهتر نتنياهو بالشريك الفلسطيني. وماطل في استئناف المفاوضات على المسار الفلسطيني. واقدم على فتح النفق من جانب واحد، الا ان من يدقق فيها يجدها اعمق وأشمل واخطر، وتمتاز عن كل ما سبقها من ازمات بأنها تدور بين موقفين واضحين حول اسس عملية السلام وقواعدها، وحول مفهوم الاتفاقات مع الفلسطينيين: الاول “السلطة الفلسطينية” وموقفها باختصار يقوم على التمسك باسس وقواعد عملية مدريد ـ اوسلو. ورفض سياسات الاملاءات التي بدأت تتبعها حكومة الليكود في العلاقة مع الفلسطينيين، ورفض فرض الامر الواقع على الارض. اما الثاني”نتنياهو” فقد قرر من جانب واحد تجميد العمل باتفاقات اوسلو وما تلاها من اتفاقات. وعدم تنفيذ بقية التزامات المرحلة الانتقالية المطلوبة منه، التي وافق عليها ووضع توقيعه الواضح والصريح فوقها. وشجع شريكه “هنغبي” على التهديد بتجريد الفلسطينيين من بعض ما اخذوه سابقا. ولم يكتفي بذلك فقرر وحده ان اسس مؤتمر مدريد ـ اوسلو لم تعد صالحة ولا بد من تغيرها.
اعتقد انني لا اتجني على احد في هذا التلخيص البسيط للموقف الاسرائيلي. فالدتقيق في سلوك نتنياهو بعد اتفاق الخليل، وبخاصة ما يجري الان في جبل ابوغنيم وموقفه من تنفيذ القضايا المعلقة من الاتفاقات السابقة، يؤكد الشق الاول من التلخيص المذكور اعلاه. والتمعن والتدقيق في اقتراحه الجديد الذي اطلقة يوم 20/3/1997 يؤكد الشق الثاني منه فهو يقترح على الفلسطينيين وعلى كل المهتمين بعملية السلام، اولا وقف المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية حول القضايا الباقية على جدول اعمال المرحلة الانتقالية (الانسحاب على مرحلتين من المناطق ج، والتي يفترض ان تشمل حسب نصوص الاتفاقات كل اراضي الضفة وقطاع غزة، ما عدا المستوطنات والمواقع العسكرية + فتح الممر الآمن بين الضفة الغربية وقطاع غزة+ اطلاق سراح المعتقلين + الوضع على المعابر + تشغيل المطار + استكمال بناء بالميناء.. الخ). ثانيا، الانتقال فورا الى مفاوضات المرحلة النهائية، والعمل على الانتهاء من التفاوض حول كل قضاياها في غضون فترة 6 شهور.
من القراءة الاولى لاقتراح نتنياهو يمكن للبعض التوهم بانه جيد. فهو يتقاطع نظريا مع مواقف قوى المعارضة الفلسطينية، ومع مواقف كل الذين تعبوا وسئموا الحديث الممل والمثير حقا للاعصاب، عن مدريد واوسلو وطابا، وعن ضرورة الالتزام بالاتفاقات.. الخ المعزوفة التي تتكرر يوميا. ولان الوقائع العملية والملموسة تؤكد ان نتائج المفاوضات على امتداد فترة زادت عن خمس سنوات، وفقا لقواعد مدريد ـ اوسلو، متواضعة جدا وقليلة جدا، والاقتراح بنصه الواضح يتحدث عن مفاوضات متواصلة حول قضايا الصراع الاساسية، مدتها نصف سنة فقط، تنتهي باتفاق! وتريح الجميع من صداع المفاوضات، ومن تصدع العلاقات الفلسطينية الاسرائيلية. وقد يتوهم البعض ان الاخذ بالاقتراح يمنع نتنياهو من خلق حقائق جديدة من شأنها اثارة صعوبات امام المفاوضات، وامام السلام “المتسرع”.
الا ان من يدقق في برنامج الليكود والقوى الاخرى المؤتلفة معه في الحكم، ويتفحص ابعاد وخلفيات هذا الاقتراح، يستخلص ان “ليس كل ما يلمع ذهب” ويقول: نتياهو يقدم السم في الدسم. والساذج او الجاهل بقضايا الصراع الفلسطيني الاسرائيلي وحده هو من يعتقد ان المفاوضات حول قضايا الحل النهائي يمكن ان تنتهي خلال 6 ـ 9 شهور. فمن ماطل على سبيل المثال، في المفاوضات مع الفلسطيين حول الخليل وحول الانسحاب من 2% من المنطقة ج فترة 6 شهور، لا يمكن، بل من المستحيل التوصل معه الى اتفاق حول القدس وحول اللاجئين والمستوطنات والحدود والمياه..الخ خلال سنوات وليس شهور. اما من عطل المفاوضات مع السوريين واللبنانيين منذ توليه السلطة، ويرفض الانسحاب من الجولان من حيث المبدأ، فلا يمكنه اقناع احد بانه سينسحب بعد 9 شهور مثلا من الضفة الغربية التي ما زال يعتبرها ارضها الميعاد التي وهبها الرب لبني اسرائيل. ومن يماطل في تنفيذ القضايا العالقة من الاتفاقات السابقة وهي في جوهرها تفصيلية لا يمكن ان يكون مخلصا في التوصل الى اتفاق حول قضايا الحل النهائي وهي الاعقد والصعب، وتمس عقيدة الليكود وتنسفها من اساسها. ويخطا من يعتقد ان نتنياهو يريد سلاما متسرعا كي يرتاح من متاعب المفاوضات الطويلة والمملة، وكي يريح الفلسطينيين والاسرائيليين والعالم اجمع من صداع الصراع المزمن في الشرق الاوسط. وموافقة اليمين المتطرف، الذي عارض الانسحاب من 2% من الضفة الغربية، على اقتراح نتنياهو مؤشر. فهم شركائه في الحكم ويعرفون اهدافه ونواياها الحقيقة من طرح اقتراحه في هذا الوقت بالذات وهي كما اعتقد:
اولا/ الغاء المرحلية الواردة في اتفاق اوسلو. ليس حبا بالوصول الى سلام متسرع مع الفلسطينيين، بل لان ما تبقى فيها من استحقاقات تمثل كابوسا له، وتتعارض مع عقيدة الليكود ومع مصالح اسرائيل كما يتصورها نتنياهو ذاته. فهو يريد كسب الوقت، والهروب من الانسحاب الثاني المفترض في ايلول القادم، ومن تنفيذ الثالث في آذار ـ حزيران 1998. لاسيما وان تنفيذهما كفيل بتفجير الائتلاف الحكومي من جهة. وتوفير المقومات الاساسية لقيام دولة فلسطينية تمتد سلطتها على معظم اراضي الضفة والقطاع وكل سكانهما.
ثانيا/ تحسين مكانة اسرائيل على الصعيدين الاقليمي والدولي التي اهتزت منذ استلامه السلطة في اسرائيل. وتحسين مكانتة شخصيا داخل اسرائيل. واستباق الاحداث والتطورات المقبلة في ايلول القادم “توقيت الانسحاب الثاني”. والهروب من الضغوط الامريكية والدولية المتوقع ان يتعرض لها عندما يحين موعد الانسحاب الثاني. لا سيما وانه قرأ وسمع حديث اركان الادارة الامريكية، الذي ورد في سياق التعقيب على الاعتراض الفلسطيني على حجم الانسحاب الاول الذي نفذه نتنياهو، والذي اكد ضرورة ان تكون مساحة الانسحاب الثاني اوسع بكثير من مساحة الانسحاب الاول الذي نفذ. ونتنياهو يدرك انه سيجد نفسه في ايلول امام احد ثلاث خيارات: احلاها مر. التصادم مع الفلسطينيين والامريكان والعرب والعالم، او تغيير عقيدته، او العمل ضد قناعاته وتنفيذ انسحاب “ما” جديد من ارض يهودا والسامرا يفقده حتما فرصة النجاح في الانتخابات القادمة. وقد يفقد قبل ذلك فرصة استكمال فترة ولايته والبقاء كرئيس للوزراء .
اعتقد ان قدر الفلسطينيين في هذه الفترة من الحكم الاسرائيلي، وفي هذا الزمن العربي والدولي الرديء الحصول حقوقهم بالتقسيط البطيء. واسترجاع ما يمكن استرجاعه من ارضهم على دفعات قد تكون اقرب الى انتزاع الجرعات الصغيرة بواسطة الطبيب الامريكي” الراعي”. وبناء مقومات سيادتهم واستقلالهم عبر المعاناة وبالتدريج، ومن الصعب الحديث بجدية في ظل حكم الليكود وفي هذا الوقت بالذات عن قفزة كبيرة جدا الى الامام في المفاوضات. وكل هذه الخطوات لا يمكن الحصول عليها من خلال اقتراح نتنياهو الجديد. بل من خلال موقف واضح وحاسم خلاصته رفض اقتراح نتنياهو بصورة رسمية لا لبس فيها. والتمسك باسس وقواعد مدريد ـ اوسلو، والسير في المفاوضات اللاحقة في حال استئنافها في مسارين متوازيين. الاول وله الاولوية، متابعة انتزاع كل الحقوق الكبيرة والصغيرة التي نصت عليها الاتفاقات ولم يلتزم نتنياهو بتنفيذها حتى الان. وابقاء نتنياهو محشورا في زاوية ضيقة امام العالم عنوانها مختصر مفيد ضرورة، الالتزام بتنفيذ ما اتفق علية. والثاني الشروع في مفاوضات الحل النهائي وفقا لاتفاق اوسلو ـ الخليل، وليس حسب اقتراح نتنياهو التضليلي. ولعل من المفيد للمفاوض الفلسطيني ان يدرك منذ الان، ان الدعم الذي تلقاه ويتلقاه من الرأي العام الدولي، ومن العديد من دول العالم خلال مفاوضات المرحلة الانتقالية قد لا يجده خلال مفاوضات المرحلة النهائية. فالموقف الدولي من القضايا المطروحة على جدول اعمال الاولى يختلف عن موقفه من القضايا المطروحة على جدول اعمال الثانية. فالتصور الدولي لحل مسألة الاستيطان او القدس مثلا لا يتطابق مع الموقف الفلسطيني حولهما. وذات الشيء ينطبق على موضوع الحدود والمياه واللاجئين والنازحين، والاعلان عن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على ارض فلسطين. وواهم من يعتقد ان نتياهو لدية ما يقدمه للفلسطينيين بعد الانسحاب البسيط الذي اعلن عنه ولم يتم رسميا حتى الان. فهو مؤمن بان ما اخذه الفلسسطينيون حتى الان هو سقف الحكم الذاتي للسكان الذي يؤمن به هو وكل قوى اليمين كحل نهائي للمسألة الفلسطينية.
واخيرا يمكن القول قد يكون نتنياهو نجح في تحريك الجرافات الى جبل ابو غنيم، وقد ينجح لاحقا في خلق واقع جديد في هذا الجبل، وقد يفلح في فرض اقتراحه بشطب اسس عملية السلام الجارية، لكنه بالتأكيد لن يستطيع فرض التعايش بين الشعبين، ولا صنع السلام بينهما. فالتعايش والسلام لا يتم الوصول لهما بالقهر والالزام. ومصلحة صنع السلام العادل والشامل في المنطقة تفترض على جميع المعنيين حقا بصنع السلام في المنطقة ان يستخلصوا العبر قبل فوات الاوان من الموجة الجديدة من العنف الذي بدأت تهب على المنطقة، وبخاصة قرار البناء في جبل ابو غنيم والعبث الفردي بمسألة القدس، وعمليتي تل ابيب والباقورة، وحالة الغليان التي تعيشها المنطقة ككل. 21/3/1997
وتعقيبا على عملية التفجير التي وصلت اخبارها خلال كتابة هذا المقال، لعل من المفيد ان يدرك كل المهتمين بصنع السلام والاستقرار في المنطقة أن كل تلكؤ أو تهرب من بحث قضية القدس يؤدي حتماً الى مزيد من تأخير تقدم المفاوضات على كل المسارات، ويعطل التوصل الى أية اتفاقات بما في ذلك الاتفاق على إعلان المباديء الذي تسعى الادارة الأمريكية الوصول له في نهاية هذه الجولة من المفاوضات..