عرفات لاعب سياسي في الحقل الداخلي

عرفات لاعب سياسي في الحقل الداخلي

ممدوح نوفل - ٢٥/٣/٢٠٠٥
www.mnofal.ps


ـ عرفات لاعب سياسي ذو صفات مميزة
احتفظ عرفات في جميع مراحل حياته بشخصية مزدوجة
من بعيد، يبدو ياسر عرفات لمن لا يعرفه انسانا قاسيا معقدا ولغزا محيرا يصعب فهمه، لكنه في الواقع كان انسانا خجولا ودودا متواضعا لا حدود لطموحه الشخصي. لم يرث الزعامة عن أب أو جد او عائلة، ولم يستولي على السلطة بانقلاب عسكري، وبلغ موقع زعيم حركة فتح وقائد الثورة ومنظمة التحرير ورئيس دولة فلسطين بحنكته واجتهاده الشخصي وتفانيه في العمل. وبغض النظر عن اي موقف لمواقف عرفات نقدي لا احد ينكر احتفظ بموقعه المميز في قمة النظام السياسي الفلسطيني قرابة اربعة عقود دون منازع، وطبع مرحلة طويلة بطابع "عرفاتي" خاص، لجهة طبيعة بنية القيادة ونهجها في ادارة الامور الداخلية والخارجية، وتحديد اشكال التحالفات والعلاقات العربية والدولية واساليب الكفاح من اجل الحقوق.
الى ذلك، يصعب الحديث في تاريخ القضية الفلسطينية ومسيرة النظام السياسي الفلسطيني في النصف الثاني من القرن الماضي بمعزل عن سيرة عرفات الشخصية والنضالية، خصوصا دوره في تأسيس حركة "فتح" واطلاق رصاصة الثورة عام ١٩٦٥ وتوليه قيادة الثورة وزعامة المنظمة من العام ١٩٦٨ حتى وفاته عام ٢٠٠٤. ولا احد يجامل العرفاتيين عندما يسجل لعرفات انجازات هامة في مرحلة مفصلية في التاريخ الفلسطيني، خصوصا اعادة اسم فلسطين الى الخارطة الجيوسياسية للشرق الاوسط، ونفض الغبار عنها في الاروقة الدولية، وتحويل مخيمات اللاجئين الى بؤر ثورية من اجل استعادة الحقوق المغتصبة، وارساء مقومات قيام دولة فلسطينية. بالمقابل، لا احد يتجنى على عرفات عندما يحمله مسئولية رئيسية ان لم تكن الرئيسية عن الاخفاقات التي منيت بها الحركة الفلسطينية، طبعا دون تجاهل أدوار الآخرين أفرادا وجماعات. حيث تفرد في قيادة السفينة الفلسطينية وسط بحور هائجة عبرتها في النصف الثاني من القرن الماضي، وفرض على جميع اطراف النظام السياسي الفلسطيني خريطته ورؤيته.
كان ياسر عرفات رجل اعلام من طراز رفيع، اكتسح بعد هزيمة حزيران "يونيو" ١٩٦٧ ومعركة الكرامة عام ١٩٦٨ بسرعة مذهلة ميدان الاعلام العربي والعالمي. وتمتع بـ"كريزما" خاصة وكان له اسلوبا بسيطا مميزا في اقامة العلاقة مع الناس. اتقن فن اكتساب ود واحترام البسطاء من شعبه وكسب ثقة اغلبية الشارعين الفلسطيني والعربي. وحرص على إقامة علاقات شخصية مع الكوادر. وراكم رصيدا نضاليا كبيرا وخبرة قيادية غنية، وبهما عزز سلطته القيادية وفرض مواقفه على الآخرين افرادا وجماعات.
ومنحه الفلسطينيون في الداخل والخارج مكانة خاصة حسده عليها كثير من الزعماء العرب. لا بل يمكن القول ان كثيرون منهم شعروا في فترات معينة ان ياسر عرفات قائد الثورة يشاركهم في حكم بلادهم، ويقرر لهم جانبا من سياستهم الخارجية وعلاقاتهم الدولية ولم يتمكنوا من صده. وفرض نفسه ندا لاكبر الزعماء ودخل البيت الابيض الامريكي أكثر من ٣٠ مرة، وانتزع احترام كبار رجال السياسية والصحافة والاعلام العالميين، وانتظر بعضهم ساعات طويلة كي يحظى بمقابلته. وأظن ان اسم عرفات تردد في وسائل الاعلام العالمية في نصف القرن الماضي اكثر من اي زعيم عربي او عالمي آخر.
كان يسمع جيدا لجميع اخوانه ومستشاريه وقادة القوى الفلسطينية لكنه احتفظ بحقه في اتخاذ القرار بمفرده وعندما يتخذ قراره يتمسك به ولا يتراجع عنه حتى اذا ثبت عدم مواءمته للواقع. كرس هالة حول ذاته وخلق من المواطن "محمد عبد الروؤف القدوة" شخصية ابو عمار الرمز. واحتفظ في جميع مراحل حياته بشخصية مزدوجة؛ عرفات السياسي البراجماتي المرن وأبوعمار الفدائي الرمز وكثيرا ما تصادمت الشخصيتان عند اتخاذ القرارات الصعبة. وعبر نضال طويل كرس شرعيته التاريخية، وعبر انتخابات نزيهة انتزع شرعيته الدستورية والقانونية. وبعد انتخابه رئيسا لدولة فلسطين في المجلس المركزي ١٩٨٩ تغلبت شخصية أبوعمار الفدائي الرمز على شخصية عرفات السياسي البراجماتي.
إثر عودته الى الوطن وانتخابه رئيسا للسلطة حافظ ابوعمار على شخصية الفدائي وظل يقول: "إياكم أن تخطئوا، لم أصل "قصر" الرئاسة بانقلاب، وانتخابي رئيس سلطة وقبلها رئيس دولة واصطفاف حرس الشرف لأداء التحية واستقبال زعماء العالم لي لا يغريني..لن أتخلى عن بندقية الثائر ولا تنسوا أني لم اخلع بدلتي العسكرية". يومها قال له أحد المقربين مازحا: ابو عمار، نحن تعبنا هل ستخلعها بعد دخول القدس؟ قال: ربما لكن مش أكيد. ومن تعب منكم يرسل لي ابناءه اكمل بهم المسيرة. وفعلا استثمر صورته في اللباس العسكري ورفض خلعه رغم موافقته على استبدال البندقة بالحل السياسي والمفاوضات.
بقي عرفات أعزبا قرابة ستين عام وكان يفاخر بزواجه من القضية ومعها بندقية، وظل يستمتع بإزعاج إخوانه المتزوجين باستدعائهم في أوقات متأخرة من الليل. وفي إحدى السهرات بعد انتخابه رئيسا لدولة فلسطين في تونس مطلع ابريل ١٩٨٩سأل أحدهم أبوعمار: تخيل أننا نجحنا وطردنا الاحتلال بعد سنتين من فلسطين وأقمنا دولة مستقلة فهل ستتزوج وتنهي غيرتك من المتزوجين، وتتركنا ننام دون استدعاءاتك المعهودة بعد منتصف الليل؟ رد بسرعة وقال مازحا: لن أترككم تنعمون بما لا أنعم به. وأضاف بجدية: زواج ما رح أتزوج...أنا راجل كبرت وصرت عجوز ولن أجد من تقبل بي. ثم كيف أتزوج وهناك في بلاد العرب والاسلام من يتآمر على القضية الفلسطينية، الزواج قد يلهيني بعض الوقت عنهم وهذا تقصير خطير ولن أتحمل مسؤوليته أمام الله والتاريخ..وعندما تزوج لم يقيم الأفراح ولم يحيي الليالي الملاح، ولم يبني علاقات اسرية متكاملة ولم يغير نمط حياته وبقي على عاداته في العمل.
امتاز عرفات بطاقة عالية للعمل ولم يبق مجال عمل لم يتدخل فيه، وكرس عادات ثابتة فرضت نفسها على العمل الفلسطيني مدى ثلث قرن. ظل سنوات يعمل أكثر من خمسة عشر ساعة في اليوم، وكان منتصف الليل ذروة نشاطه وصفاء ذهنه. شغله الجدي يبدأ بعد التاسعة مساء ويواصل السهر حتى الفجر ولا ينام قبل الرابعة صباحا. يتناول طعام العشاء قبل أو بعد منتصف الليل بقليل ثم يصلي صلاة الفجر وينام. وكرس هذا النمط من الحياة اليومية في علاقاته مع الجميع. وظل أبو عمار يكره الجلوس على مائدة الطعام بمفرده وكان يستدعي الحرس والمرافقين ومن يتواجد في مكتبه الى مائدته إذا غاب الضيوف. بعض المقربين توقعوا بعد زواجه حدوث تبدل في عاداته إلا أنه خيب ظنهم. وكثيرا ما سببت عادة العمل في الليل ازعاجا للصحفيين والسياسيين. الزعيم اللبناني كمال جنبلاط واحدا منهم، وتساءل مرة لماذا تتشابه القيادة الفلسطينية في عملها مع العاملات في النوادي الليلية..! اللواتي يعمل في الليل وينمن في النهار!
ظل عرفات يقاوم الوقائع التي لا يرغبها ولم يكن يستسلم للخصوم والأعداء بسرعة. وتعرّض في حياته لعديد محاولات القتل والاغتيال على يد "اشقاء" واعداء وكان لديه حدس أمني خاص أنقذه مرات كثيرة من موت محقق، وفي احدى المرات نجا من موت محقق عندما سقطت طائرته في الصحراء الليبية. بعد حرب الخليج وقبل مؤتمر مدريد للسلام عام ١٩٩١عاش عرفات حالة قلق شديد على حياته، وبعد توقيع اتفاق أوسلو صار أكثر اطمئنانا. وفي أيامه الاخيرة قبل رحلته الى باريس للعلاج تساءل ابوعمار أمام الحلقة الضيقة هل نجحوا في اختراق ترتيبات الامن ووصلوا لي..!
عاش عرفات أكثر من نصف قرن في ميدان العمل وسط حقول من الألغام والمتفجرات وكانت دائما قابلة للانفجار، وظلت حياته صاخبة مليئة بالحركة والمفاجآت. كان شجاعا وقت الشدائد والمحن وظل قائدا ميدانيا يهتم بأوضاع الكوادر ويحفظ عن ظهر قلب أسمائهم. ظل يحب التفاصيل ويتدخل في كل صغيرة وكبيرة ولم يحتمل وشوشة اثنين في حضرته حتى لو كانا اقرب الناس اليه، وكان يتدخل ويحاول معرفة ما دار بينهما وكثيرا ما كان ينهض ويفرقهما ويجر أحدهما بيده الى مكان قريب منه.
لم ينسف عرفات جسرا بناه مع صديق او عدو، وامتاز بقدرته على التعامل مع جميع صنوف البشر وكان يحرص على بقاء "شعرة معاوية" حتى في علاقته مع الشيطان.. وكان يضحك عند سماع حكايته مع إبليس والتي تقول: ذهب عرفات لأداء مناسك الحج، وفي موقع رمي الجمرات رجم الشيطان ٦ جمرات واحتفظ بالحجر السابع، وظن مرافقه أنه أخطأ في العد وقال له سيدي الرئيس الحاج رميت ٦ رجمات فقط..أجابه بصوت منخفض: اعرف، إغرش يا ابني ولا ترفع صوتك حتى لا يسمعنا الله، من يدري قد تتبدل المواقف وقد تتحسن يوما ما علاقة إبليس مع الله وعندها أذكّره بأني كنت أرحم به من الآخرين"..
واجه ابو عمار منذ توليه زعامة المنظمة عام ١٩٦٨ محاولات إسرائيلية ودولية وعربية وفلسطينية كثيرة لزعزعة مكانته القيادية، لكن مرونته و"ميكيافيليته" واستشعار الزوابع والرياح السياسية قبل وصولها واتقانه فن المناورة والتكتيك وبناء التحالفات التنظيمية وفكها بسرعة، واجادة استخدام المال في حل المشاكل الداخلية..الخ مكنته الخروج بسلام من الكمائن السياسية والحزبية التي نصبت في طريقه، ونجح في مقاومة محاولات تقليص نفوذه وتحويله إلى شخصية رمزية. ويسجل له نجاحه في طبع مرحلة كاملة من حياة الحركة الفلسطينية بطابع "عرفاتي" مميز يصعب محوه من الذاكرة.
عرفات أحب من الحياة السلطة والعسل وبنى نظاما أبويا
احب أبوعمار الحياة الدنيا حتى لحظة مماته، لكنه لم يستمتع بطيباتها وملذاتها؛ احب من المأكولات العسل وكان المتوددون ياتون به صافيا من مصادر موثوقة. عشق السلطة بشغف واستمتع بتوابعها وامتيازاتها، بدءاً من التنقل بين مطارات العالم في طائرة خاصة، ومخاطبة زعماء العالم، والمشي فوق البساط الاحمر واستعراض حرس الشرف أينما حل حتى إذا انتقل من مدينة رام الله الى غزة، وأداء التحية عندما تعزف فرق الموسيقى النشيد الوطني، مرورا بسهر الليالي وعقد اجتماعات ماراثونية للقيادة وتعويد مرافقيه اداء التحية عند دخول غرفته خصوصا امام الضيوف، وترك المراجعين من كوادر وقيادات ينتظرون طويلا قبل مقابلته، وانتهاء بإصدار الاوامر الخطية والشفوية الإدارية والعسكرية وصرف المساعدات للمحتاجين فعلا وآخرين يعرف انهم محتالين.
كان عرفات رجلاً تكتيكياً مناوراً من طراز رفيع خاصة في إدارة الصراعات الداخلية، نجح بجدارة في "زمن الدولة" وقبلها في زمن الثورة في إحكام سيطرته على الوضع الداخلي "الفتحاوي" والفلسطيني العام. وفرض مواقفه على الحركة الوطنية سنوات طويلة. وحافظ بثقله المعنوي على جملة من التوازنات داخل حركة فتح وفي الساحة الفلسطينية يصعب على خليفته أيا كان اسمه التحكم بها. وكرس نمطا خاصا من العلاقات يمكن وصفها "بديمقراطية التراضي" وكان يحب أن يسميها "ديمقراطية غابة البنادق".
على مدى ٤٠ سنة من قيادته النظام السياسي الفلسطيني بنى عرفات نظاما أبويا قبليا. صحيح انه كثيرا ما تصرف كجنرال، لكن سلوك الاب وشيخ القبيلة ظل طاغيا في تعامله مع الموظفين في المؤسسات الرسمية ومع ابناء القرى والمدن والمخيمات. وكان سلوكه الأبوي يظهر بشكل نافر في تعامله مع ابناء العائلة "فتح". وخلق تيارا من الموالين في فتح والمنظمة والسلطة، وصنع ظاهرة يمكن تعريفها بالعرفاتية وتشكلت مجموعات في كل الساحات يمكن تسمية افرادها بالعرفاتيين هم زلم عرفات يحلو لهم هتاف "بالروح بالدم نفديك يا عرفات" و"نحن رجالك يا ابوعمار". وكان يطرب لهذه الجمل حتى اذا صدرت عن نصابين.
أدرك عرفات من البداية، أن الامن والمعلومات والمال والإعلام اركان أساسية في مجال القيادة وأحكم سيطرته عليها في حركة فتح والمنظمة واتقن توظيفها في تكريس زعامته وخدمة القضية: احسن استغلال المال في تعزيز مكانته في صفوف التنظيم والشعب وفي التأثير على مواقف الفصائل والافراد وتعزيز موقع القضية عربيا وعالميا والعربي. وافق على تخصيص كوتا مالية للفصائل لكنه ظل يتحكم في صرفها وكان يحجم عن صرفها متى يشاء وكثيرا ما ابتز اصحابها واجبرهم على مراجعته مرات عديدة. وظل اربعين سنة يقاوم بقوة جهد كل فرد او مؤسسة فلسطينية للاستقلال المالي والحصول على مساعدات مباشرة من الدول العربية او الصديقة حتى لو كانت مساعدة لابناء الشهداء او تعبيد الطرق وبناء المستشفيات. كان يرى في الاستقلال المالي مصدر قوة للتمرد على قراراته، وظل يصر على ان تمر المساعدات في طريقها لمن يحصل عليها عبره شخصيا حتى اذا ظل نصيب مؤسسة الرئاسة منها صفر.
تصادم مع فيصل الحسيني وشهر به لانه حصل على مساعدات من السعودية ودول خليجية اخرى للحفاظ على عروبة القدس. والكل يعرف ان فيصل مات وفي ذمته مبالغ كبيرة اضطر الى استدانتها بسبب تقتير عرفات والتأخير الدائم في صرف الموازنة المخصصة لبيت الشرق نفقات وطنية في القدس.إلى ذلك، اعتمد عرفات الترغيب والترهيب في توطيد مكانته ولم يرد طلب مساعدة وصل يديه. والتباين في المعاملة مع بند "مساعدات الرئيس" ظل محصورا في حجم المبلغ وعنوان صندوق الصرف "صندوق فتح او صندوق المنظمة او صندوقه الخاص"، وكان قراراته دائما تخرق النظم والقوانين المالية والإدارية.
في زمن الثورة احكم قبضته على صندوق فتح وصندوق المنظمة ولم يبخل في صرف مساعدات الزواج والعلاج والتعليم واستئجار البيوت وشراء السيارات..الخ للكوادر، وخصص موازنة كبيرة لكل عضو من اعضاء اللجنة المركزية لفتح تفوق راتب اي وزير في اغنى البلاد العربية. وقبل استحداث منصب رئيس وزراء في السلطة كان تدخل عرفات في شئون وزارة المالية مباشرا ودون حدود، وزاد اجمالي موازنة مؤسسة الرئاسة و"مكتب الرئيس" على ٨٠ مليون دولار سنويا، وبعد استحداث المنصب رئيس وزراء واسناد وزارة المالية الى خبير مالي مستقل عن الاحزاب تقلصت موازنة عرفات ومصروفاته وتم تحويل بعض اشكال المنح مثل البيوت الى ممتلكات تستخدم من المستفيد مدى الحياة.
صحيح ان كثيرا من النصابين والمحتالين استفادوا من قرار عرفات المعهود "يصرف له" لكن لا أحد ينكر ان معظم موازنة مؤسسة الرئاسة ومكتب الرئيس صرفت في مساعدة محتاجين وخدمة القضية وتوسيع جبهة الاصدقاء وتقليص جبهة الخصوم والاعداء، واستفاد منها أيضا ناس عاديون كثيرون في مجال التعليم والصحة ومعالجة مشاكل اجتماعية. وقدم عرفات في احيان كثيرة مساعدات لاحزاب وقوى حركات التحرر الوطني في افريقيا وامريكا اللاتينية ولاحزاب المعارضة في بلدان عربية خاصمته.
الى ذلك، أولى عرفات الاعلام اهمية استثنائية وظلت مؤسسة الاعلام الفلسطينية واجهزتها المركزية تلفزيون اذاعة وكالة انباء مرتبطة بمؤسسة الرئاسة مباشرة وظل يتدخل في عملها رغم وجود وزير اعلام في زمن السلطة، ورئيس دائرة ثقافة واعلام في زمن الثورة منظمة التحرير. ومول عرفات صحفا يومية واسبوعية وفصلية فلسطينية وعربية كثيرة، بعضها كان ذو قيمه وكثيرها لا قيمة له. واكرم مراكز ابحاث ودراسات وكتاب وصحفيين من جنسيات مختلفة، بعضهم يستحق الاكرام وآخرون لا يستحقونه، ودفع مبالغ كبيرة منتظمة ولمرة واحدة لشخصيات سياسية واجتماعية مرموقة ولمجموعات هامشية أيضا، لكنه لم يبنى مركزا فلسطينيا جديا للدراسات والابحاث يساعده في اتخاذ القرار.
أدرك مبكرا قيمة العمل العسكري ضد اسرائيل في استرداد التمثيل الفلسطيني من الدول العربية وتكريس المنظمة ممثلا للشعب الفلسطيني، واطلق رصاصة الثورة الاولى عام ١٩٦٥ رغم معارضة معظم اخوانه للتوقيت. اختار لنفسه حقل العمل العسكري ادراكا منه ان العمل في هذا الميدان يكرس قوته ويعزز نفوذه ويشد انتباه الجماهير ويدفها للانخراط في الحركة والالتفاف حوله. وعمل على توحيد القوات في اطار جيش التحرير وحاول فرض نفوذه على تشكيلات الجيش التي بنتها مصر والاردن وسوريا والعراق. وبصفته قائد العاصفة تفرد في الصلة مع الكوادر العسكرية. وبعد استشهاد ابو اياد وابو الهول احكم قبضته على الامن. وحافظ على علاقة شخصية مع الضباط، وظل يحفظ اسمائهم ومهامهم ومواقعهم عن ظهر قلب. وكان يحرص على ادامة الاتصال مع القادة الميدانيين وفي حرب المخيمات عام ١٩٨٤ اشترى عدة اجهزة اتصال لكل مخيم كي يتمكن من الاتصال مع المفاصل الاساسية كل على انفراد.
عمل بدأب على انتزاع لقب القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية، بجانب قائد قوات العاصفة والالقاب المدنية الاخرى، وحقق هدفه بقرار من المجلس الوطني. بنى حركة فتح على اسس مركزية عسكرية وخصص نصف مقاعد مجلسها الثوري لتمثيل العسكر وكان القائد العام هو المخول في اختيار مندوبي القوات الى اجتماعات المجلس. ويسجل له انه بدأ حياته قائدا ميدانيا انتقل بعد حرب حزيران "يونيو" ١٩٦٧ الى الضفة الغربية وقام بنفسه بتجنيد وبناء وبتنظيم وتدريب الخلايا المسلحة، وفي أيام حصار في بيروت كان يحرص على تفقد المواقع الامامية، وفي حصار المقاطعة في رام الله قام بمهمة كبير الحرس وكان يتفقد ليلا افراد حرسه الواقفين في مواجهة الدبابات والجنود الاسرائيليين المحيطين بمقرة.
لم يكتفي عرفات بمنصب رئيس المنظمة والقائد العام والالقاب الاخرى، وظن بعد الترحيب الدولي بمبادرة السلام الفلسطينية عام ١٩٨٨ وانفتاح باب الحوار الفلسطيني الأمريكي أن الوقت حان ليخلق لنفسه وللقضية منصب رئيس دولة، علما انه كان يعرف ان هذا المنصب سوف يبقى منصبا شكليا وفخريا حتى قيام الدولة ولا احد كان يعرف متى ستقوم. وقاد مطلع نيسان "ابريل" عام ١٩٨٩ مناورة سياسية تنظيمية طويلة عريضة في المجلس المركزي لانتخابه رئيسا للدولة، ولم يتشاور في الامر مع اخوانه في قيادة فتح. وعندما اعترض صلاح خلف "أبوإياد" الرجل الثاني في فتح والمنظمة وعدد من أعضاء المجلس على الطريقة الملتوية التي فرضها عرفات على المجلس في مناقشة المسألة، بكى عرفات وصاح في أعضاء المجلس: أنا لم أصل موقعي بالوراثة أو بانقلاب عسكري. وقدم استقالته بصورة غير جدية وكانت اول وآخر مرة يقدم فيها استقالته ولم يعد عنها إلا بعد أن دوّخ جميع أعضاء المجلس ساعات طويلة وانتقد بعضهم نفسه وتعهدوا بانتخابه، وقال بعضهم مازحا "سامحنا وننتخبك رئيسا للأبد". وانتخب في تلك الدورة باجماع المجلس باستثناء أبو إياد الذي رفض المشاركة في التصويت احتجاجا على الأسلوب.
عرفات قائد سياسي أصاب وأخطأ
ظل عرفات طيلة حياته قائدا عنيدا في الدفاع عن القضايا الوطنية، تمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية. وظل يولي العلاقات الشخصية مع الزعماء أهمية كبيرة واعتبرها ركنا هاما في العمل من أجل القضية وكسب تضامنهم ضد الظلم. وأظن انه تفوق على جميع زعماء العالم ورؤساء الدول في عدد ساعات التجول جوا بين القارات الخمس. وساهم بفعالية في اقناع دول العالم وزعمائها بعدالة قضية شعبه وحقه في الحرية والاستقلال. ونجح في ارساء أسس استقلالية الحركة الوطنية واستقلالية قرارها وقاوم كل اشكال الوصاية والاحتواء التي حاولت اطراف عربية فرضها على الحركة الوطنية الفلسطينية.
صحيح انه دخل مرات كثيرة في مساومات مع دول عربية حول مسائل تهم الشأن الفلسطيني لكنه لم يفرط بالقرار الوطني، وظل يرفض التبعية لاحد، وحجّم دور القوى المرتبطة بالانظمة العربية. بالغ في تقدير وزنه في صنع القرار العربي وفي تقدير تأثير الثورة في الشارع العربي. وكانت مناكفة الزعماء العرب وغير العرب حول المسائل الفلسطينية تبعث في نفسه نشوة استثنائية. وبقي حتى آخر يوم في حياته يتباهي بجرأته في التصدي لكل من حاول التطاول على حقوق الفلسطينيين. وآخرها أنه الوحيد بين الزعماء العرب الذي قال لا كبيرة للرئيس الامريكي "كلينتون" في عقر داره في عندما طالبه بتقديم تنازلات تمس الثوابت الوطنية المتعلقة بالقدس ومقدساتها وبالارض وحقوق اللاجئين والمستوطنات. ويومها رفض أبوعمار مقترحات الرئيس كلينتون ومساعديه لحل النزاع ودعاهم مواجهة للسير في جنازته.
رفع شعار عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول العربية لكن مواقفه وممارساته العملية كانت متعاكسة مع جوهر هذا الشعار، وتدخل مباشرة وبقوة في شئون الاردن ولبنان ولم يتردد في التفاخر بانه حكم لبنان وحجم النفوذ السوري فيه. وساند عرفات مواقف قوى شعبية عربية ضد انظمتها، وصمت عن ادوار قام بها بعض الفلسطينيين افرادا وجماعات لصالح حكومات عربية ضد المعارضة في بلدها. وبغض النظر عن النوايا يتحمل عرفات مسئولية رئيسية في توريط الشعب الفلسطيني في صراعات دموية مع اكثر من طرف عربي. وفشل في تجنيب الشعب الفلسطيني في لبنان التورط في صراع مع الطوائف اللبنانية وتسبب فشله في مجازر راح ضيتها آلاف الابرياء من ابناء المخيمات. وكونه قائد لثورة وصاحب القرار الفلسطيني الاخير، لا يمكن تبرأته من تهمة ارتكاب اخطاء سهلت على خصوم واعداء الحقوق الفلسطينية تنفيذ مآربهم، وضمنها تهمة مساندة غزو النظام العراقي في عهد حزب البعث وصدام حسين للكويت والتسبب في تهجير قرابة ٣٠٠ ألف فلسطيني من الكويت وتحويلهم الى فقراء بعد ان كانوا من اغنياء الشعب الفلسطيني يقدمون المساعدة لاخوانهم الواقعين تحت الاحتلال الاسرائيلي.
وبصرف النظر عن رأي الاخرين به خصوصا من اتهموه بالتطرف والارهاب، فقد كان عرفات رجل سلام حقيقي، رفع غصن الزيتون في غمرة تمجيد الكفاح المسلح اوائل سبعينات القرن الماضي وناشد الامم المتحدة "لا تسقطوا الغصن من يدي". وكان دوره حاسما في اقرار المجلس الوطني الفلسطيني البرنامج المرحلي في العام ١٩٧٤ الذي حدد هدف الفلسطينيين اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على ارض الضفة الغربية وقطاع غزة التي احتلت في العام ١٩٦٧. ونجح في تحويل قناعاته الخاصة الى توجهات وطنية لعموم اطراف النظام السياسي الفلسطيني. ولعب دورا مركزيا في تبني أعلى سلطة تشريعية عام ١٩٨٨ مبادرة سلام فلسطينية تضمنت لاول مرة في تاريخ النزاع الموافقة على فكرة دولتين للشعبين على أرض فلسطين التاريخية. ونبذ المجلس الوطني الارهاب واعترف بقراري مجلس الامن الدولي ٢٤٢ و٣٣٨ ووافق على التعامل معهما كأساس لحل القضية وانهاء النزاع.
لم يتنازل عرفات يوما عن حقه في اتخاذ القرارات الوطنية الكبيرة، لكنه لم يلجأ للقوة العسكرية او الاساليب البوليسية لفرض مواقفه وآراءه السياسية على اخوانه في فتح وفي منظمة التحرير. وظل يفضل اسلوب الحوار لبلورة التوجهات وقاد بنفسه حوارات سياسية داخلية واسعة دون ملل رغم ان بعضها كان مملا. ولعب دورا محوريا في اطلاق "مبادرة السلام الفلسطينية" عام ١٩٨٨ التي تضمنت الموافقة على فكرة قيام دولتين للشعبين على أرض فلسطين التاريخية "اسرائيل وفلسطين". وفي عهده نبذ الفلسطينيون الارهاب واعترفوا بقراري الأمم المتحدة ٢٤٢ و٣٣٨ أساسا لحل القضية وإنهاء النزاع.
ورحب عرفات بمبادرة السلام الشهيرة التي اطلقها الرئيس بوش الأب ووزير خارجيته بيكر بعد حرب الخليج الأولى عام ١٩٩١ دون انتظار رأي القيادة الفلسطينية. وترحيبه بالمبادرة مهد الطريق لعقد مؤتمر مدريد للسلام. ورغم أن الدعوة للمؤتمر لم تتحدث عن حق الفلسطينيين في تقرير المصير واستبعدت أي دور مباشر له وللمنظمة..إلخ، إلا أن عرفات وافق عليها بأمل تجنيب الشعب الفلسطيني مزيدا من الخسائر وانقاذ المنظمة من الدمار خاصة أنها اتهمت عربيا بمساندة احتلال صدام لدولة الكويت. وراهن على قدرته إحداث تغيير في مضمون المبادرة الامريكية من خلال التعاطي الإيجابي معها.
ومع افتتاح مؤتمر مدريد للسلام في ٣٠ أكتوبر ١٩٩١ وقبل أن تبدأ المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية الرسمية، كان عرفات قلقا على مصير شعبه ومصيره الشخصي وخاف على القضية، وطغى دوره ومستقبل م.ت.ف. على تفكيره وصار همه اليومي نسف كل ما يمكن ان يساهم في تحويل الوفد الفلسطيني المفاوض إلى قيادة بديلة رغم ان أي من أعضاء الوفد لم يكن مستعداً للتفكير في الموضوع. والأمور كما كان يراها عرفات ليست بالنوايا بل بالنتائج، وإصرار رئيس الحكومة الإسرائيلية شامير في حينه على تشكيل الوفد من الداخل فقط وأن يكون جزءا من وفد مشترك مع الأردن، كان بمثابة إنذار مبكر حول سوء نوايا اسرائيل. وكانت حالة الخوف والقلق تنعكس بشيء من الانفعال في أقوال أبوعمار: "يا إخوان، الأمريكان لن يغفروا لنا مواقفنا السابقة، خاصة في حرب الخليج. ويريدون من عرفات أن يكون ذكر النحل الذي يلقح مرة واحدة ويموت". وكان يضيف "مرحبا بالموت، إذا كان موت عرفات يخدم القضية".
وابان مفاوضات مدريد وواشنطن قاد عرفات مناورة كبرى، ونجح في دفع الوفد الفلسطيني المفاوض برئاسة فيصل الحسيني وحيدر عبد الشافي لاتخاذ مواقف متشددة بلغت حد التطرف في احيان كثيرة. وكان يتعمد إعطاء تعليمات للوفد مباشرة عبر الهاتف وأن تكون بصوته بقصد اشعار اركان الادارة الامريكية بحجم دوره في المفاوضات وتاثيرة على المفاوضين، وإقناعهم بأنه مرجعية الوفد في كل صغيرة وكبيرة. وحرص ابو عمار على كسب ود وولاء أعضاء الوفد المفاوض بطرق شتى، وفي إحدى اللقاءات الموسعة ابان مؤتمر مدريد دافع عن ارتفاع خيالي في فاتورة تلفون أحد الأعضاء وبرر الأمر وقال: "الأخ معذور نحن لاجئين مشتتين في انحاء المعمورة، نحن شعب الصفر صفر نحب الاتصالات الدولية". وأكد نيابة عن المعني أن اتصالاته تمت مع الاهل والأقارب اللاجئين والنازحين في شتى أنحاء المعمورة..
عرفات انسان حذر وشكاك مثل معظم اللاجئين الفلسطينيين اكتسب الصفتين من النكبة. وفي الوقت الذي كان يتعمد دفع الوفد المفاوض الى التشدد أكثر في الحديث عن أهمية المفاوضات السرية. وظل يردد: "المفاوضات الرسمية بين عشرين إنساناً لا توصل إلى حلول ولا غنى عن قنوات خلفية سرية إذا أريد للعملية النجاح". وأكثر من تصريحاته عن سلام الشجعان، وزاد من وتيرتها في عهد رئيس الوزراء إسحق رابين وأضاف إليها مقولته المعروفة "إسرائيل تفتقد إلى ديغول" يصنع السلام. وعندما حاول رابين كسر الجمود في المفاوضات وقدم إغراءات للوفد المفاوض علّه يتجاوز المنظمة ويعفيه من مواجهة عرفات، كان عرفات يقظا ووقف للوفد ولرابين بالمرصاد. في تلك الفترة قال له احد المقربين: "أخ أبو عمار، لماذا لا نترك وفد الداخل يتوصل الى اتفاق ونكسب ما يحققه، ونتابع المفاوضات باسم المنظمة ونقبض ثانية". قال "لا، هذا خطأ خطره كبير، أنت تتحدث ببراءة، إذا وقّع وفد الداخل الاتفاق يعتمدهم الأمريكان والاوروبيون بديلا عن منظمة التحرير ونخرج من المولد من دون حمص".
بعدها تقدم بيريز وطاقم الخارجية بقيادة بيلين باتجاه جس نبض المنظمة والتقطت السنارة الفلسطينية طرف الخيط في أوسلو. وعندها برع عرفات في المناورة ودفع الوفد الفلسطيني في مفاوضات واشنطن لمزيد من التصلب والتطرف وأقنع الجانب الإسرائيلي أن طريق اوسلو مع المنظمة هو فقط الموصل للسلام وليس طريق واشنطن والوفد برئاسة فيصل وحيدر. ولم يكتف عرفات بما كان ينقله أبو مازن وأبو علاء حول ما يدور في مفاوضات أوسلو السرية، ولم يكتف باستلام نسخة عن محاضر الاجتماعات، وأرسل الى أوسلو مندوبا خاصا كلفه نقل تفاصيل ما يقوله الجميع دون استثناء، ونقل رسائل غير مباشرة للطرف الآخر تؤكد دور عرفات وكونه صاحب القرار الأول والأخير.
الى ذلكن لم يراهن عرفات على مفاوضات مدريد ـ واشنطون. ولم يكن شامير وحده المعطل لتقدمها، ووقف عرفات على الطرف الآخر من الجسر وكان عنده ذات الموقف التعطيلي المعطل للعبور. كان لكل منهما حسابات خاصة؛ شامير يخشى دور منظمة التحرير المخفي في ثياب وفد الداخل، وأبوعمار كان خائفا على المنظمة من الوفد ويخشى أن يتحول الى قيادة بديلة. علماً بأن الوفد برئاسة فيصل الحسيني والدكتور عبد الشافي حدد موقفه منذ اليوم الاول لتشكيله بأنه وفد م.ت.ف. ويأتمر بأوامر قيادتها.
وفي غمرة مفاوضات واشنطن وقبل التوصل الى اتفاق اوسلو في سبتمبر ١٩٩٣ حرص عرفات على فتح قنوات اتصال متعددة موازية للوفد الفلسطيني المفاوض. وعقدت لقاءات كثيرة امنية وسياسية واقتصادية وقانونية بين كوادر وخبراء فلسطينيين واسرائيليين. في احد اللقاءات سأل أحد خبراء الامن الاسرائيليين نظراءه الفلسطينيين هل يمكن لعارفات السيطرة على المسلحين من حركة فتح ومن حركات المعارضة خاصة حماس والجهاد والجبهة الشعبية، وكيف ؟ رد احد العرفاتيين الخبير بعقلية عرفات وقال : نعم يمكن لعرفات السيطرة على الوضع وضبضبة المسلحين من كل التنظيمات اذا سمح له بادخال رجاله من العسكر الذين يعتمد عليهم في الظروف الصعبة والمواجهات الداخلية. وهو الوحيد القادر بالاستناد لزلمه على مهاجمة المساجد واقتحامها اذا اقتنع انه يفيد المصلحة الوطنية على المدة المباشر او البعيد.
وفي ادارة مفاوضات اوسلو كان أبوعمار راغب في التوصل الى اتفاق بسرعة. "المهم الاعتراف الإسرائيلي بالمنظمة وتوقيع المنظمة على الاتفاق، وما عداه تفاصيل. اعتراف إسرائيل بالشعب الفلسطيني ومن يمثله يعني التسليم آجلاً أم عاجلاً بدولة فلسطينية، والوصول إلى جزء من الأرض يعني الانسحاب الإسرائيلي منها كلها آجلاً أم عاجلاً". هكذا كان رأي أبوعمار، وهذه القناعة دفعته ودفعت خلية أوسلو إلى عدم التدقيق كثيرا كما يجب في نصوص الاتفاق.
فرح كثيرا عندما نجح في انتزاع انسحاب اسرائيل من أريحا بجانب غزة واتهم اعضاء خلية اوسلو بسوء التقدير وقال: "عندما تمسكت بالانسحاب من أريحا بجانب غزة كلكم ضحكتم وقلتم أبوعمار يريد تعقيد الأمور". وبعد انجاز الاتفاق قال "بهذا القلم سيتم التوقيع وإلا لا اتفاق". ورفع قلمه الأحمر وقال "توقيع هذا القلم يعني دولة توقيع سواه يعني الله أعلم"! وعندما حان وقت التوقيع اصر أبو عمار على الذهاب الى واشنطن للمشاركة في الاحتفال وكان له ما اراد. ونجح في تعديل برنامج الاحتفال في واشنطن وكرست مصافحته التاريخية مع رابين دوره الشخصي وغاب عن خشبة المسرح رموز مفاوضات واشنطن وظهروا للناس على أنهم المخدوع الاكبر واقتصر دورهم على ما يقوم به الكومبارس الجيد الذي ينافس بعض الاحيان الممثلين الحقيقيين. وعاد عرفات من واشنطن ومعه الدعم الأمريكي والغربي. وإذا كان أبو مازن وأبو علاء هندسا اتفاق أوسلو فالصحيح أيضا أن عرفات لعب دور كبير المهندسين وكانا يعودان إليه في كل صغيرة وكبيرة. وهو المسئول في جميع الحالات عن سلبيات وإيجابيات الاتفاق وما تلاه.
كان أبو عمار شديد الثقة بالنفس وبقدرته على اختراق المحرمات. وفي معرض مناقشة اوسلو وما بعده قال: "أريد أن أقول لكم، في لبنان أخذت اتفاقاً صغيرا وكبّرته حتى أصبح دولة سميت دولة الفاكهاني، والكل يعرف أني حكمت لبنان من خلال اتفاق القاهرة الصغير البسيط الذي جلبه لنا المرحوم جمال عبد الناصر، ونسي أبوعمار أن رابين يختلف عن الرئيس اللبناني الأسبق سليمان فرنجية، ولبنان كشعب ونظام يختلف عن إسرائيل وظروف اتفاق القاهرة عام ١٩٦٩، تختلف عن ظروف اتفاق أوسلو عام ١٩٩٣.
بعد توقيع اوسلو وعودة عرفات من البيت الابيض الى مقره في تونس زاد تفرده بالقرار الفلسطيني ولم يعد يكترث بالهيئات القيادية وأصبحت تنفيذية المنظمة ومركزية فتح لا تعني له شيئاً سوى الحفاظ على شكليات الشرعية. وراح يعمل بمفرده وأمسك بخيوط التفاوض واعتقد أن الحل على اساس دولتين بات يطرق الأبواب، وقدّر أن اوسلو نتيجة تلاقي مصالح قوى إقليمية ودولية وهذا يشكل ضمانة لتنفيذه. وفي سياق تحضير الوضع لمرحلة قيام السلطة على الارض تحسس ابو عمار ومعظم اعضاء القيادة الفلسطينية من تحرك الراسمال الفلسطيني باتجاه المشاركة في السلطة كخطوة على طريق المساهمة في بناء الاقتصاد الفلسطيني. وكان عرفات مقتنعا بأن قوى دولية واقليمية تخبأ في الخفاء شيئا ما ضده. وعبر عن مخاوفه من تحرك "المليونيرية" بالقول "الثورة يفجرها مجنون ويقودها عاقل ويقطف ثمرتها انتهازي جبان". ورفض توسيع مشاركة التكنوقراط الفلسطيني في تشكيل السلطة "الحكومة"، من المعروفين بولائهم المطلق لمنظمة التحرير، ويتمتعون بسمعة طيبة في الأوساط الشعبية الفلسطينية والمعروفين بنزاهتهم.
الى ذلك، بددت مقولة رابين الشهيرة "لا تواريخ مقدسة في الاتفاقات مع الفلسطينيين". آمال عرفات بتقدم سريع في المفاوضات وتطبيق الاتفاقات، وتمسك بقوة بالاتفاقات وتواريخها، ولم يصمت ابو عمار على تلاعب رابين وأثار في القاهرة عن قصد زوبعة كبيرة ورفض يوم ٤ ايار "مايو" ١٩٩٤ توقيع "بروتوكولات تنفيذ اتفاق أوسلو"، احتجاجا على عدم إنجاز الخرائط لتي تبين مساحة أريحا وحدود الارض المنقولة في قطاع غزة. وحرص عرفات في حينه على ان يظهر للشارع الفلسطيني من على شاشات التلفزيون بانه صلب يقاوم الضغوط. ولاحقا تجاوب مع الضغط المصري والامريكي وقفز عن الخرائط ومساحة الأراضي المحررة في أريحا وغزة ولم يوضح موقفه للناس.
بعد العودة للوطن قاد السلطة بعقلية الثورة
في سياق تنظيم الوضع القيادي بعد اتفاق اوسلو عام ١٩٩٣ ومواصلة الامساك بدفة القيادة، أصر عرفات على المزج بين العضوية والمهام في اللجنة التنفيذية وعضوية مجلس السلطة "الوزارة" ومهامها. ورفض بحزم الفصل بين الهيئتين واشتاط غضبا عنما اقترح البعض ان يبقى هو رئيسا لدولة فلسطين ومنظمة التحرير ويظل خارج قيادة السلطة الوطنية وان يتم اختيار شخصية اخرى لهذا المنصب. ولاحقا قاد السلطة والحكومة بعقلية الثورة. وبسبب خلط مهام الهيئتين بقيت مهام وطنية كبرى مهملة، ودخلت علاقة السلطة بالمنظمة في اشكالية معقدة وبرز تعارض لم يحل حتى الآن. وبعد عودته من المنفى الى الوطن عام ١٩٩٤ أصر عرفات على المشاركة في انتخابات الرئاسة ورحب بوجود منافس له وقال: "بعدي، لا رئيس غير منتخب لشعب فلسطين". وقاد السلطة والحكومة بعقلية الثورة
بعد قيام السلطة في الضفة والقطاع لاحقا لم تجري رياح عملية السلام كما كان اشتهى عرفات وانصار السلام في الجانبين. وذهل الجميع لاغتيال رابين يوم ٥/١١/١٩٩٥ على يد اسرائيلي متطرف. ودخلت العلاقة بين الطرفين مرحلة جديدة، واعتبر عرفات اغتيال رابين يوما اسود في تاريخ عملية السلام. وأبدى حزنا شديدا على مقتل رئيس الحكومة الاسرائيلية، شكك بعض الفلسطينيين في صدقه، وزار عرفات بيت رابين في تل ابيب وقدم العزاء لأرملته. وظل يردد امام ضيوفه "رابين قتل نفسه بنفسه عندما هادن المتطرفين واعطاهم فرصة لتجميع قواهم". ولم تتوقف نكسة عملية السلام عند هذا الحد وادهشت نتائج الانتخابات الاسرائيلية التي تمت عام ١٩٩٦ عرفات وقرأ فشل بيريز وفوز نتنياهو بشكل صحيح وقال: "المجتمع الاسرائيلي غير ناضج لصنع سلام" ووصف تسلم حزب ليكود الحكم بأنه انقلاب ضد السلام.
وزاد في الطين بلة رفض رئيس الوزراء الاسرائيلي المنتخب نتنياهو علنا اللقاء مع عرفات ورفض تحديد موعد لاستئناف المفاوضات. واستنتج ابوعمار ان العالم لن يتحرك لاحياء عملية السلام وانقاذها اذا لم يتحرك اصحاب القضية للضغط. وفي احدى اللقاءات في المنتدى مقر القيادة في غزة نقل احد اركان ابوعمار قول نتنياهو لاحدى الصحف العبرية انه لا يفكر في اللقاء مع عرفات وليس بذهنه التخطيط في وقت قريب لمثل هذا اللقاء. يومها انفعل ابو عمار وقال: "سيندم نتنياهو على هذا الكلام وسأجبره على الاتصال عبر هذا الهاتف طالبا اللقاء" واشار بيده الى أحد اجهزة التلفون في مكتبه.
وشرع بتحريض مباشر صريح للجمهور الفلسطيني وقاد العملية بنفسه ودعا الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع يوم ٢٩/٨/١٩٩٦ من على منصة المجلس التشريعي للاضراب العام. وتوجه بعد الدعوة الى مدينة نابلس والتقى في مخيم بلاطة ممثلي مخيمات المحافظة، وزار عددا من المدارس وحرض الناس والطلاب على التحرك ضد الاحتلال ونهب الارض واستيطانها. وقال علنا: "اسرائيل تريد تغيير معالم المدينة المقدسة، مسرى النبي ومهد المسيح، وتقرير مصيرها". وكرر مقولته المشهورة القدس أمانة في اعناق الفلسطينيين واعناق جميع العرب والمسلمين ولا بد من الدفاع عنها.
ومن يدقق في مجريات ما اصطلح على تسميته فلسطينيا "هبة ايلول" او "معركة النفق" يتبين انها لم تكن حركة عفوية وقعت كرد فعل شعبي على فعل اسرائيلي مس بالمقدسات بل اكبر من ذلك وأشمل بكثير، ويتاكد انها حركة عنيفة ارادها عرفات واستجابت لها الاجهزة والتنظيم وقطاعات واسعة من الشعب، وان هذا الرجل نسي الاتفاقات مع الاسرائيليين وراح يتصرف بعقلية الثورة.
واستغل عرفات الاحتفالات الاسرائيلية بفتح النفق تحت المسجد الاقصى يوم ٢٤/٩ /١٩٩٦، وأوعز لتنظيم حركة فتح وأجهزة أمن السلطة بالتحرك على الارض في جميع المناطق ضد الاحتلال والاستيطان ورفع شعار الاقصى في خطر. واستنفر الماكينة الاعلامية والامنية وزج علاقاته في الحملة ضد تصرف حكومة نتنياهو ودفاعا عن المقدسات. وارسل رسائل سريعة للعديد من قادة دول العالم وطالب زعماء الدول والاسلامية التحرك. وحرك اجهزة السلطة واستخدمت ما استطاعت من طاقات شعبها وقدرات كوادرها واجهزتها الرسمية. وجندت للحملة امكاناتها التعبوية والاعلامية بما في ذلك الاذاعة والتلفزيون الرسميين.
وعندما وقعت الصدامات لم يتردد عرفات في قيادة المعركة علنا. وأدانت السلطة مواقف الحكومة الاسرائيلية ونددت بسلوك قواتها العسكرية الارهابي ضد الشعب الفلسطيني الأعزل من السلاح، وناشدت العرب والمسلمين والعالم بالتدخل. وأصدر عرفات تعليمات شفويا بالسماح للتنظيم والمواطنيين المحتجين بالتوجة نحو المواقع العسكرية الاسرائيلية على مداخل المدن. وردت الشرطة الفلسطينية على النيران الاسرائيلية واطلقت النار لاول مرة في سياق الدفاع عن النفس وعن الاهل وعن المدن المكلفة بالمهام الامنية فيها. واستمرت الاشتباكات المسلحة ثلاثة ايام ٢٥، ٢٦، ٢٧ /٩/ ١٩٩٦. سقط فيها اكثر من ٨٠ شهيد فلسطيني وعدد من الاسرائيليين.واتسعت رقعة الاشتباكات وكادت ان تتحول الى قتال مفتوح.
لاحقا تجاوب نتنياهو مع الرغبة الأمريكية باستئناف الاتصالات مع الطرف الفلسطيني ولم يتأخر الوقت حتى رن جرس الهاتف في مكتب ابوعمار وكان نتنياهو على الطرف الآخر. وبعد كلمات المجاملة، التي قالها بلغة دبلوماسية، طلب نتنياهو من ابوعمار بذل جهده لتهدئة الأوضاع ووقف إطلاق النار وتجديد اللقاءات الأمنية المشتركة، وتحديد موعد قريب للقاء عاجل لاستئناف المفاوضات بين الطرفين. واستجاب ابوعمار لطلب نتنياهو واغلق الهاتف، وقال هامسا؛ نتنياهو استوعب الدرس الأول بسرعة. وبعد تلك المكالمة خفت حدة الاشتباكات المسلحة تدريجا، ولم تتوقف إلا بعد ترتيب أركان الإدارة الأمريكية لقاء جمعوا فيه نتنياهو مع عرفات عند حاجز ايرتز على حدود غزة. ونجحت الجهود الامريكية في إيصال المنظمة والحكومة الإسرائيلية للاعلان يوم ١٥/١/١٩٩٧ عن اتفاق "بروتوكول تنفيذ إعادة الانتشار في الخليل وبقية مناطق الضفة" وواجه الاتفاق معارضة قوية في إسرائيل ونزل المستوطنون للشوارع واتهموا نتنياهو بالتخاذل.
والتدقيق في مجريات الامور بعد الاشتباكات يبين ان النفق لم يكن القضية المركزية في ذهن ابوعمار والقيادة عندما دعت الناس للتحرك. وتم القفز عن الموضوع في المفاوضات التي تلت المعركة، ولم يرد ذكره النفق في اتفاق "الخليل". وظهر للجميع ان "الهبة" حركة تكتيكية قام بها عرفات في اطار استراتيجية عامة، هدفها الزام اسرائيل في عهد الليكود بعملية السلام كما وضعت في عهد حزب العمل وتنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل اليها مع رابين واحترام الشريك الفلسطيني.
في تلك الفترة قرر الرئيس كلينتون إظهار تصميمه على إنجاح عملية السلام وقرر زيارة تل أبيب وغزة. وحطت طائرته يوم ١٢ ديسمبر ١٩٩٨ في مطار غزة. واستقبله عرفات مزهوا بهذا الإنجاز، وحل كلينتون ضيفا على السلطة وألقى كلمة أمام المجلسين الوطني والتشريعي. وانتعش عرفات ليس فقط بسبب مدلولات وأبعاد زيارة كلينتون الايجابية بل وأيضا حديثه الصريح ضد نتنياهو وسبل إسقاط حكومته.
والى ذلك، لم تتورع قوى اليمين الاسرائيلي المشاركة وغير المشاركة في الحكومة عن مواصلة الضغط على نتنياهو. ولم يستطع نتنياهو الصمود في وجه الضغوط وذهب الى انتخابات مبكرة في أيار ١٩٩٩
خسرها في مواجهة زعيم حزب العمل باراك. ويومها تفاخر عرفات بانه لعب دورا مهما في تمكين حزب العمل من العودة لرئاسة الحكومة. وبعد ظهور نتائج الانتخابات وانتقال السلطة إلى العمل عادت الروح لعملية السلام. وملأ باراك أجواء المنطقة بضجيج عال حول إعادة تشغيل قطار السلام على مساراته الثلاث الفلسطيني والسوري واللبناني. وشكك عرفات بقدرة باراك التوصل إلى حلين سياسيين مع القيادتين السورية والفلسطينية في وقت واحد وحل قضايا الحل النهائي الشائكة.
عرفات تحدى كلينتون ودعاه للسير في جنازته
أواخر يونيو٢٠٠٠ نقلت وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت للطرفين رغبة الرئيس كلينتون في عقد قمة ثلاثية للبحث في حل جميع القضايا. ورفضت الاستماع لنصائح عرفات بتأجيل القمة ريثما يتم ضمان نجاحها. وحدد كلينتون ١١يوليو٢٠٠٠ موعدا للقمة، ولم يكن بمقدور عرفات تحمل تبعات مواجهة مكشوفة مع رئيس أقوى دولة في العالم ولم يشأ توتير العلاقة معه حول مسالة زمان ومكان القمة. وحاول التسلح بموقف عربي بشأن قضيتي القدس واللاجئين باعتبارهما قضيتان يتداخل فيهما الشأن الفلسطيني بالقومي لكنه فشل. وقبل سفره إلى واشنطن دعا أبوعمار المجلس المركزي إلى الاجتماع يوم ٢ تموز٢٠٠٠ وخاطب المجتمعين: "نحن ذاهبون إلى معركة قاسية وسأخوض أنا وإخواني المعركة باسمكم". وقلل من احتمال النجاح وأكد أنه لن يحيد عن الحقوق، وقال: "لا عرفات ولا أي زعيم فلسطيني أو عربي يمكنه التنازل عن الحقوق في القدس، وحق اللاجئين في العودة والتعويض‏ التي ثبتتها قرارات الشرعية الدولية"، وأكد بيان المجلس المركزي بناء على توجيه عرفات على التمسك بالثوابت الوطنية.
وبعد استلام موافقة عرفات اعتقد كلينتون أن حالة الضعف التي تعانيها م. ت. ف. والسلطة تفرض على عرفات قبول ما يعرضه باراك، وعليه ايضا دفع ثمن رغبته الجامحة في إعلان الدولة. وفي اليوم الأول للقمة عقد كلينتون لقاء ثانيا مع عرفات تحدث فيه عن الفرصة التاريخية السانحة لحل قضايا النزاع كافة باستثناء القدس. وأجابه عرفات أنا قادم من مؤتمر القمة الأفريقية في توغو وهناك ألقيت خطابا، وكلما ذكرت القدس الشريف كانت القاعة كلها تصفق. وفي المحادثات الثنائية والثلاثية في "الكامب"، لاحظ عرفات تقارب الأفكار والمواقف الأمريكية الإسرائيلية وكثيرا ما كانت متطابقة، الأمر الذي أثار حفيظته وزاد في حذره ورفع سقف مطالبه بشأن القدس واللاجئين والحدود والاستيطان، وتمسك بالحد الأقصى وتكتم حول الحد الأدنى ولم يصرح به لأي من أعضاء الوفد الفلسطيني.
وبعد أسبوع تبددت من سماء كامب ديفيد غيوم الأمل بالتوصل إلى اتفاق. ورفع كلينتون وتيرة ضغطه على عرفات وتجاوز المألوف في الأعراف الدبلوماسية. وصمد أبو عمار في وجه كلينتون وذكّره أكثر من مرة بالالتزامات الأمريكية. ورفض عرفات التوقيع على أي اتفاق ينص على إنهاء النزاع الفلسطيني الإسرائيلي ولا يتضمن حل قضيتي القدس واللاجئين وفق قرارات الشرعية الدولية. وأبدى استعدادا أوليا قبول مبدأ مدينة مفتوحة وحرية عبادة للجميع وسيادة إسرائيلية على حائط المبكى، شريطة أن تكون السيادة الفلسطينية كاملة غير منقوصة على الجزء المحتل من المدينة منذ العام ١٩٦٧.
لاحقا توتر كلينتون وقال لعرفات "خيبت آمالي وحطمت كل ما قمت به خلال ثماني سنوات في عملية السلام... أنتم فقدتم فرصة عام ١٩٤٨ وحرمتم من فرصة في العام ١٩٧٨ والآن تخسرون فرصة جديدة. أنت تتحمل المسئولية وأنا اعرف حجم الكارثة التي ستحدث وستمر عشرون سنة قبل أن تأتي فرصة أخرى وتكلم جورج تنيت مدير المخابرات المركزية، بأسلوب ابتزازي وحمل أبوعمار المسئولية وقال: "أنت تحكم على الدولة الفلسطينية بالانتهاء وتحكم باندثار الاقتصاد وتشتت الشعب، أنتم تعيشون في منطقة أحب أن أقول لك أن شعوبها وحدودها قابلة تماما للتغيير والتبديل".
رد أبو عمار وشكر كلينتون ومعاونيه وأكد انه لن يقبل لنفسه دخول التاريخ كأحد الخونة، وقال"لا أنا ولا أي عربي ولا مسلم ولا مسيحي يقبل أن يشرّع وجود السيادة الإسرائيلية في القدس". ويستطيع الإسرائيليون مواصلة الاحتلال بقوة السلاح سنوات ولهم في جنوب أفريقيا مثلا، واذا كنا ضعاف الآن فبعد عشرة أو عشرين أو خمسين أو مائة عام سيأتي من يحرر القدس ويرفع علم فلسطين عليها. وشهد أكثر من راوي أنه قال" "إذا أردتم التهديد فأنا أدعوكم للسير في جنازتي، أنا رجل متدين ولن أسمح أن يكتب عني إنني ناقشت بيع ساحة الحرم لإسرائيل أو الإقرار بوجود هيكل مزعوم تحته. تحدثت معكم بقلب مفتوح وأعان الله الأجيال القادمة على ما سيحدث في المنطقة".
بعد تمسك أبوعمار بالحقوق بدأت ملامح انهيار القمة تلوح في الأفق، وكرر كلينتون مقترحاته لحل الخلافات وأشار إلى ان باراك قدم تنازلات وقال لعرفات "أنت لم تفاوض، اذهب ودع شعبك يستقبلك كالأبطال"، رد عرفات بانه لن يتخلى عن القدس عاصمة بلده. ورد كلينتون هذه المواقف سوف يكون لها عواقب وخيمة وأنت تتحمل المسئولية. واجاب أبو عمار: "أريد أن اختصر عليك لنبق تحت الاحتلال ونحن نعرف كيف نقاوم، نحن شعب لا يخون الأمانة أنا أفاوض باسم العرب المسلمين والمسيحيين.
وحاول كلينتون إنقاذ القمة من الانهيار وقدم خيارات جديدة رفضها عرفات وحسم كلينتون أمره وأعلن يوم ٢٤ يوليو٢٠٠٠ في مؤتمر صحفي انتهاء أعمال القمة دون اتفاق. ووقع المحظور الذي خشيه عرفات ورفض كلينتون الاعتراف بالفشل وامتدح شجاعة باراك وأثنى على جرأته. ولاحقا وصف أبو عمار مفاوضات "الكامب" بأنها كانت اصعب من حرب بيروت عام ١٩٨٢.
بعد فشل كامب ديفيد عاد عرفات إلى غزة واستقبله الغزاويون استقبال الفاتحين وعندما انتقل إلى رام الـه نظم له استقبال رسمي وشعبي كبير. وألقى كلمة حماسية قال فيها: "عندما كنت في كامب ديفيد كانت صورتكم في ذهني، وكانت إرادتكم الصلبة أكبر معين لي للصمود في مواجهة الضغوط الكبيرة التي تعرضت وأخوتكم في الوفد المفاوض لها. بعزيمتكم صمدنا وبعزيمتك سنواصل المشوار". في حينه، تأكد أطراف المعارضة أن تساهل أبوعمار كما ظهر في قضايا الحل الانتقالي لا ينطبق على موقفه بشأن قضايا الحل النهائي. واهتم أبو عمار بامتصاص غضب كلينتون وتخفيف الآثار السلبية لفشل القمة. وراح يعمل على توحيد الموقف الفلسطيني وحشد المواقف العربية لمواجهة أسوأ الاحتمالات.
وفي اجتماع المجلس المركزي عرض عرفات مجريات مفاوضات كامب ديفيد وتحدث عن صدام قادم حتما وقال: "يا إخوان، الصدام قادم لا محالة وباراك أعطى أوامره لتنفيذ "خطة حقل الأشواك". وبالرغم من شكوكه في نوايا باراك طلب عرفات من المجلس تأجيل إعلان قيام الدولة خمسة أسابيع استجابة لتمنيات الرئيس. وقال: "أرجو موافقتكم على التأجيل استجابة لطلب شخصي طلبه الرئيس كلينتون على هامش قمة الألفية الثالثة التي دعت إليها الأمم المتحدة". وكان له ما اراد ووافق المجلس على طلبه، ورفض تهديدات باراك وقرر بناء على طلب عرفات "اتخاذ الخطوات اللازمة لتحضير الشعب لمواجهة أسوأ الاحتمالات". ودخل الطرفان صراع إرادات وباتت جميع الاحتمالات واردة ولم يحاول عرفات تفادي المواجهة.
الانتفاضة: باراك قرر المواجهة وأبو عمار قبل التحدي
استنادا لموافقة رئيس الحكومة الاسرائيلية باراك، قام صباح ٢٨/٩/٢٠٠٠، شارون بزيارة ساحات المسجد الاقصى. وفجرت الزيارة غضب الفلسطينيين ونزل الناس للشوارع أطلق البعض على الحركة "هبة الأقصى"، وتصدوا لجند الاحتلال بالحجارة، في المساء دعا أبو عمار القيادة إلى اجتماع طارئ قال فيه: "باراك بدأ بتنفيذ خطته التي حدثتكم عنها، معركة القدس فتحت في كامب ديفيد وزيارة شارون نقلتها إلى هنا. طلبت من باراك في منزله بحضور أبو مازن وأبو علاء إلغاء الزيارة لكنه رفض. القدس والأقصى في خطر واللهم أشهد فإني قد بلغت..". وعقب الاجتماع صدر بيان دققه عرفات حمّل الحكومة الإسرائيلية ورئيسها مسئولية الزيارة وتدنيس الاقصى، ودعا البيان الشعب في كل مكان إلى "رص الصفوف والتوحد في معركة الدفاع عن عروبة القدس ومواجهة العدوان الإسرائيلي المبيت ضد المقدسات".
بعد اجتماع القيادة السياسية ترأس عرفات اجتماعا للمتواجدين من أعضاء مجلس الأمن القومي الأعلى. وقدّر أن المعركة طويلة وركز على موقع الأقصى في فكر الناس. واعتبر زيارة شارون محاولة استدراج للدخول في صدام عنيف. وقال "قدرنا الدفاع عن المقدسات ولا يمكن للمرء أن يهرب من قدره". وبحث المجلس سبل حماية الأقصى ولخص ابوعمار التوجه: العمل على تفريغ أعداد إضافية إلى ملاك حراس المسجد، تنظيم مناوبات أمنية ليلية في المسجد، الدفاع عن مناطق السلطة في المحافظات ومنع القوات الإسرائيلية من اختراقها. وحاول أعضاء المجلس إثارة المخاوف من دور حماس والتيار الديني ومحاولة تصدر الحركة، لكن عرفات اقفل الموضوع وقال: المعركة طويلة والمسألة الملحة هي كيف نحمي الأقصى وليس من يتصدر التحركات. وبعد تصاعد حدة الاشتباكات بين الطرفين تحركت الإدارة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي وشددت ضغطها على عرفات وألحت عليه لعقد لقاء مع باراك.
وفي يوم ٤ تشرين الاول "أكتوبر"٢٠٠٠ عقدت قمة في باريس شارك فيها باراك وعرفات والوزيرة اولبرايت. وحاول باراك بالتواطؤ مع اولبرايت تعطيل مشاركة كوفي انان والرئيس الفرنسي إلا أن إصرار عرفات على مشاركتهما أحرج باراك واولبرايت وشاركا في اللقاءات. وعملت اولبرايت على تمييع طلب عرفات تشكيل لجنة تحقيق دولية في مجزرة الأقصى، واقترحت تشكيل لجنة أمريكية فلسطينية إسرائيلية تترأسها الولايات المتحدة. ورفض أبو عمار اقتراحها وهدد بالانسحاب من الاجتماعات وانسحب من أحدها ولم يعد إليها إلا بعدما أمسكت به اولبرايت عند باب سيارته.. واستصغر عرفات نتيجة التصادم مع باراك والبرايت. وفشل الاجتماع وتوترت علاقة عرفات بباراك اكثر وعاد إلى غزة وسجل مرة أخرى تمسكه بالحقوق. وبين للمعارضة أن بالإمكان الجمع بين الحركة السياسية والدبلوماسية وتواصل الانتفاضة.
ورغم أن السلطة لم تشارك رسميا في قيادة الانتفاضة إلا أنها كانت صراعا مكشوفا بين السلطة وحكومة إسرائيل انفجر على خلفية أزمة عملية السلام، مثلت السلطة مرجعيتها. ورغم تأكيد قوى النظام الفلسطيني على أهمية الحفاظ على الطابع السلمي للانتفاضة، وبقاء المظاهرات السلمية والحجر بمثابة السلاح الفلسطيني الأساسي في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية..الخ إلا ان وقائع الصراع اليومي على الأرض تؤكد ان هذه الانتفاضة بدأت بالحجر والرصاص، وأصبحت في أسابيع معدودة اكبر من انتفاضة شعبية بمفهومها الفلسطيني الدارج، وأقل من حرب كلاسيكية بين جيشين. ولم يحاول أبو عمار تبديد هذه الصورة ولم يحاول وقف عسكرة الانتفاضة بل رأى فيها أداة ضغط. وارتبطت هذه الميزة بتصاعد استخدام السلاح من جانب إسرائيل، وبلغ ذروته باستخدام الطائرات والمدافع الدبابات الإسرائيلية في قصف المواقع الفلسطينية المستهدفة. قابله تصاعد كبير في استخدام السلاح من جانب المسلحين الفلسطينيين. ولا خلاف فلسطيني ان السلطة وحزبها السياسي مسئولين عن إدخال "اللباس العسكري" في صورة الانتفاضة.
ولم يعترض عرفات على بيان فتح الذي اعتبر "الانتفاضة خيار استراتيجي للتحرير"، و"يجب نقل المعركة إلى مناطق العدو لكي لا ينعم الصهاينة بالاستقرار..ويجب استهداف العدو داخل "ما يسمى بالخط الأخضر"، وكل "صهيوني سيكون هدفا مشروعا لنا بكل الوسائل". وردت اسرائيل بتأكيد أن "أذرعها الأمنية ستضرب من يمس أمن إسرائيل" وطالبت عرفات تحمل مسئولياته إزاء التوجه الخطير ولم يأبه عرفات للتهديد.
في حينه كان معروفا لجميع الاطراف الاقليمية والدولية ان ما ما يجري على ارض الضفة وقطاع غزة صراع مكشوف بين السلطة الفلسطينية وحكومة إسرائيل، يتم تحت اسم انتفاضة شعبية تشارك فيها جميع القوى الوطنية والإسلامية وقطاعات أخرى من الشعب الفلسطيني. والجميع كان يعرف ان الانتفاضة مسيرة بصيغة وأخرى من قبل عرفات والسلطة وحزبها السياسي فتح. وهذه القيادة هي التي تتحكم في كميرا التصوير وبكيفية تقديم صورة الانتفاضة والتحركات النضالية اليومية للعالم. ودورها في الانتفاضة لم يتوقف عند حد توفير الأمن للسكان وحماية "حدود" المناطق الخاضعة لسلطتها. وهي التي فاوضت الطرف الآخر باسم الانتفاضة وتتحدث في المحافل السياسية الرسمية الإقليمية والدولية بالنيابة عن المنتفضين.
وفي سياق معالجة الموقف المتفجر سعى الرئيس كلينتون إلى عقد قمة جديدة تضم باراك وعرفات. وفضل أبوعمار تأجيلها إلى ما بعد القمة العربية، إلا أن كلينتون أصر على موقفه وحدد يوم ١٦/١٠/٢٠٠٠ موعدا لانعقادها في شرم الشيخ، وانتزع أبوعمار مشاركة أمين عام الأمم المتحدة ومندوب عن المجموعة الأوروبية إضافة لمصر والأردن. وعقد الزعماء لقاءات ثنائية وثلاثية سادها توتر شديد. ومارس كلينتون ضغوطا على عرفات وصمد أبوعمار وفشل كلينتون في حل قضايا الخلاف وأنهى القمة ببيان أمريكي تضمن دعوة الطرفين للتهدئة وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل ٢٩/٩/٢٠٠٠.
وتفرق الرؤساء بعد قمة الشرم وعاد كل إلى بلده ولا أحد يعرف كيف ستتطور الأوضاع. ولم يتوقف عرفات واركان القيادة مطولا عند نتائج تدهور العلاقة مع كلينتون وأركانه وظنوا ان الانتفاضة كفيلة بلجم الموقف الامريكي، وبدأت الاستعدادات الفلسطينية للقمة العربية. واتهم باراك عرفات بإعطاء الضوء الأخضر للأجهزة الأمنية و"التنظيم" باستخدام السلاح، ولم يحاول عرفات وقيادة فتح والسلطة نفي التهمة، وتبرع البعض في تبريرها وتاكيدها. وفي القمة بيّن أبو عمار بشاعة الاحتلال وقال: "لقد حاولت إسرائيل تصوير ما يجري من جرائم قتل جماعي كما لو أنه اشتباك بين عسكريين".
بالإجمال ساهمت قرارات القمة في تكريس مأزق عملية السلام، حين تبنى الزعماء العرب رؤية عرفات ورفضوا اعتبار الانتفاضة أعمال عنف، وصارت قراراتهم المتعلقة بالقدس واللاجئين قيدا على القيادة والمفاوضين الفلسطينيين وهذا القيد العربي أراده ابوعمار وسعى له وحصل عليه، ظنا منه انه يؤثر في الموقف الأمريكي ويعزز موقفه في المفاوضات.
وعلى أبواب الانتخابات الأمريكية يوم ٧/١١/٢٠٠٠ تبارى المرشحان للرئاسة في إظهار الدعم والإسناد لإسرائيل. وأدانا "العنف والإرهاب الفلسطيني" وطالبا عرفات وقفهما. وتشجع باراك بالموقف الامريكي واتهم عرفات بزج أجهزة الأمن الفلسطينية في عمليات ضد الإسرائيليين. واصدر أوامر للجيش تفعيل "مكابس الضغط" الاقتصادي والسياسي على الفلسطينيين حتى ينخفض سقف العنف كما قال. وأصدر أوامره بقصف مراكز أجهزة الأمن الفلسطينية برا وبحرا وجوا وكانت النتيجة عكس ما توقعه. وتعززت الاتجاهات الفلسطينية المتطرفة، واستأذن قادة الاجهزة عرفات وفتحوا أبواب السجون للسجناء الأمنيين ضمنهم كوادر حماس. وتطورت أشكال عسكرة الانتفاضة وتورطت السلطة في مستنقع العمل العسكري أكثر فأكثر.
إلى ذلك لا اذيع سرا ولا اتجنى على ابوعمار اذا قلت انه شجع عسكرة الانتفاضة واعتقد انه بعسكرتها يفرض على القيادة الاسرائيلية الالتزام بقواعد ومنطلقات واهداف عملية السلام الاصلية. واذا كانت وقائع الحياة أكدت ان العسكرة واندفاع البعض في عمليات انتحارية ضد المدنيين الاسرائيليين الحق أضرارا بالمصالح العليا وسهل على شارون وصم النضال الفلسطيني بالارهاب وعزز التطرف في الساحة الفلسطينية، فان ياسر عرفات يتحمل مسئولية رئيسية عن ذلك. ومبالغة عرفات واركانه في تأثيرات الانتفاضة على الموقفين الاسرائيلي والدولي قادهم إلى تبني مواقف الحقت خسائر بالفلسطينيين.
ومع تزايد المواجهة وارتفاع عدد القتلى في صفوف الإسرائيليين رفعت قوى اليمين الإسرائيلي وتيرة ضغطها على باراك. وعلى خلفية فشله في مواجهة الانتفاضة وحماية الإسرائيليين، صوت الكنيست يوم ٢٨/١١/٢٠٠٠ لصالح اقتراح يدعو إلى انتخابات برلمانية مبكرة. في حينه شجع عرفات أعضاء الكنيست العرب على التصويت إلى جانب الاقتراح وصوتوا دون تردد نكاية بباراك المسئول عن قتل إخوانهم، ولم تفكر القيادة الفلسطينية واعضاء الكنيست العرب بنتائج فوز شارون عليهم اجمعين.
مطلع يناير٢٠٠١ أيقن باراك أن الذهاب إلى انتخابات مبكرة بات شراً لابد منه. وأكدت استطلاعات الرأي الخاصة أن عدم التوصل إلى اتفاق مع عرفات حول قضايا السلام يفقده نسبة كبيرة من أصوات العرب وأنصار السلام. ورفضت "قيادة الانتفاضة" الدخول في متاهة تحديد أيهما افضل شارون أو باراك. وقلل عرفات من شأن فوز شارون وقدّر أن حكمه لن يدوم أكثر من حكم باراك...وتحت ضغط قادة حزب العمل تحدث باراك عن إمكانية عقد اتفاق انتقالي يقوم على تـأجيل قضيتي القدس واللاجئين مقابل تأجيل إنهاء النزاع. ورفض عرفات العرض، ولم تسمع القيادة الأصوات التي اعتبرت الاقتراح خطوة تقرب الشعب من حقوقه وتحسن الموقف في المفاوضات. واعتبر تأجيل قضيتي القدس واللاجئين يتسبب بضياع الحقوق فيهما، ونسي الجميع أن نصف قرن من الزمن لم ينجح في شطب هذه الحقوق..
وتحركت الإدارة الأمريكية وعدد من دول الاتحاد الأوروبي لنجدة باراك، وطالب زعماؤها عرفات وقف الانتفاضة وأنقاذ باراك ومنع شارون من تولي دفة الحكم..الخ. ولم يسمع أبوعمار النصائح واستصغر شان التطورات في إسرائيل. وبعد إلحاح كلينتون وافق عرفات على استئناف المفاوضات في واشنطن وعقد العزم على الصمود من جديد وتكرار تجربة كامب ديفيد.
يوم ١٩/١٢/٢٠٠٠ استأنفت المفاوضات في واشنطن على مستوى الوزراء. وبعد مفاوضات سادتها روح إيجابيةأعلن انتهاء المفاوضات بسبب عطلة الأعياد. وقبل مغادرة الوفدين دعاهما الرئيس كلينتون يوم ٢٣/١٢/٢٠٠٠ إلى لقاء تلا فيه أفكاره لحل النزاع، بما عرف لاحقا "بأفكار كلينتون"، لخص فيها مفاوضات الطرفين حول سبل إنهاء النزاع. وقدم كلينتون أفكاره للوفدين بطريقة دراماتيكية وتلا أفكاره في جو حزين وكئيب ورفض نقاشها. وقال "هذه هي أفكاري إذا لم تقبل فإنها لن تزال عن الطاولة فحسب وإنما تذهب معي أيضا عندما أترك منصبي".
في حينه لم تتأخر الحكومة الإسرائيلية في الرد إيجابا على مبادرة كلينتون. وناقشتها القيادة الفلسطينية وتباينت وجهات النظر حولها. واستغرب أبوعمار عدم طرح كلينتون مبادرته في قمة الكامب وآثر تأجيل الرد عليها، وكان موقفه أميل إلى الرفض وأن يقدم الرد بصيغة "نعم ولكن".
بعد أعياد الميلاد وظفت إدارة كلينتون شبكة علاقاتها الدولية للضغط على عرفات للرد على "المبادرة " بالإيجاب وخفض وتيرة "العنف" والعودة للمفاوضات بهدف التوصل إلى "إعلان مبادئ". وتلقى ابوعمار عشرات الرسائل والمكالمات الهاتفية من زعماء العالم، جميعها كانت تحثه على عدم إضاعة الفرصة، واستغلال أفكار الرئيس كلينتون واقترحه وتسليم موافقة إيجابية عليها. ونصحه كثيرون عدم بناء آمال كبيرة على إدارة بوش الابن الجديدة، وحذروه من أن الإدارة الجديدة لن تنشغل بالقضية الفلسطينية كما انشغل بها كلينتون. وأن أولويات الرئيس بوش الابن المنتخب مختلفة، ولديه اهتمامات أخرى تشغله عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. في حينه، تعامل ابوعمار مع تلك النصائح باعتبارها موحى بها أمريكيا وإسرائيليا. وأجرى اتصالات عربية قبل اتخاذ القرار بشان التوجه إلى طاولة المفاوضات من جديد بنية التوصل إلى اتفاق، كما يطالب كلينتون. ونصحه زعماء عرب التهرب من الموافقة وانتظار الإدارة الجديدة، وقالوا "التعامل مع ادارة مقبلة خير من التعامل مع مدبرة". الى ذلك ووعدته القيادة السعودية خيراً بعد دخول الجمهوريين البيت الأبيض وتسلم جورج بوش الابن مقاليد الحكم في واشنطن. وراهن ابوعمار على الدور العربي في التاثير على الموقف الامريكي وعلى فعل الانتفاضة في المجتمع الاسرائيلي.
وبعد الأعياد حسم عرفات الموقف، وأرسل ردا باسم منظمة التحرير حمل عنوان "ملاحظات وأسئلة حول الأفكار الأمريكية". تضمن قراءة تفصيلية للأفكار بينت نواقصها وثغراتها، وأكد الرد في فقرته الأخيرة تمسك قيادة المنظمة حل النزاع بالطرق السلمية ورفضت المبادرة بصورة فجة وغابت لغة "اللعم" التي تميز بها عرفات. وبسّط عرفات واركانه رد الفعل المحتل وتعمد تسريب ردهم لقوى للمعارضة لتأكيد صلابتهم.
يوم ٢٠ كانون الثاني "يناير" ٢٠٠١ رحل كلينتون عن البيت الأبيض وترك وصية قاسية ضد عرفات ونصح بعدم التعامل معه وعدم إدخاله عتبات البيت الابيض. ولم يكترث عرفات وأركانه بالوصية وراهنوا على التأثير في موقف الرئيس المنتخب جورج دبليو بوش ابن صديق العرب..
ومع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية واستمرار تفوق شارون على باراك حسب استطلاعات الرأي، حرّك باراك شمعون بيريز، وعقد بيريز لقاءا ثنائيا مع أبوعمار خرج منه متفائلا. وقال إن بالإمكان التوصل إلى اتفاق حول القضايا العالقة رغم ضيق الوقت. وكانت حصيلة الاتصالات موافقة عرفات على عقد جولة مباحثات في منتجع طابا دون شروط. ووافق باراك على استئناف المفاوضات مع "استمرار العنف". وكان واضحا أن المطروح استكمال مفاوضات الكامب و"أفكار" كلينتون تشكل نقطة الانطلاق.
في منتجع طابا عقد الوفدان جولة ماراثونية من المفاوضات. ومنذ البداية طلب الوفد الإسرائيلي تقدير ظروف باراك وإصدار بيان يساعده في كسب الانتخابات. وأظهرت المناقشات أن ما طرحه كلينتون في قمة الكامب بشأن الدولة والأرض واللاجئين والاستيطان والحدود كان موافقاً عليه إسرائيليا. وحقق الوفدان تقدما، وطلب أبو عمار من وفده محاولة التوصل إلى اتفاق نهائي وإذا تعذر ذلك، لسبب وآخر، أ‏ن يتم صياغة محضر رسمي "ملخص موسع" يوقعه الطرفان. لكن الوفد الاسرائيلي آثر، بناء على تعليمات باراك، تأجيل كل شيء إلى ما بعد الانتخابات. وحاول الجانب الفلسطيني توثيق مواقف الطرفين لكن الجانب الإسرائيلي رفض. ولم يتم من ناحية رسمية تحديد النقطة التي توقفت عندها المفاوضات باستثناء ما سجله كل طرف في ملفاته. واتفق الطرفان أن يعودا لاستكمال ما لم ينجز إذا ظل باراك رئيسا للوزراء.
وبصرف النظر عن الأسباب الحقيقية التي دفعت باراك إلى إنهاء مفاوضات طابا دون وثيقة، فالطرفان تعرفا على الحد الأدنى والأعلى لكل منهما في قضايا الحل النهائي. ويسجل لعرفات أنه كان محقا عندما رفض ما عرض في كامب ديفيد بشأن القدس والارض واللاجئين. حيث جاءت مبادرة كلينتون وأطروحة الطرف الاسرائيلي في طابا وأكدتا صحة تقديراته. ويمكن القول ان ما طرحه بن عامي وزير الخارجية الاسرائيلية في طابا يوفر الحد الأدنى لتوصل الطرفين إلى اتفاق شامل ونهائي ينهي نصف قرن من النزاع الدامي لكنه طرح في وقت متأخر جدا، وبعد فشل باراك وفوز شارون في الانتخابات دخلت عملية السلام مرحلة جديدة تماما وطويت جميع الافكار الايجابية التي ظهرت في زمن كلينتون باراك.
وإذا كان لا مجال للبحث في فرص السلام الضائعة، فيمكن القول أن عرفات واركانه أخطأوا في إدارة المفاوضات في ثلاث محطات وضيعوا فرصة تحسين الموقف والتوصل إلى اتفاق "ناقص": الأولى عندما تم القفز عن استحقاقات المرحلة الانتقالية وتم دخول مفاوضات الحل النهائي قبل إلزام إسرائيل تنفيذ الاستحقاقات، خصوصا الانسحاب الثالث الذي نص عليه أوسلو. والثانية، حين رفض عرفات العرض الذي تقدم به الرئيس كلينتون في آخر يوم من أيام قمة كامب ديفيد، وتبلور لاحقا بصورة أوضح في "ورقة الأفكار التي قدمها". خصوصا وان العرض الأمريكي ومداولات طابا تضمنت موافقة إسرائيل رسمية على قيام دولة فلسطينية فوق قرابة ٩٦ـ٩٧% من أراضي الضفة وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية، وتبادل أراضي بما يساوي ٣ـ٤% ، وإخلاء اكثر من١٢٠ مستوطنة وتسليمها للسلطة الفلسطينية بجانب ما تضمنته بشأن القضايا الأخرى. وإذا كانت ورقة كلينتون لا تلبي الحقوق الفلسطينية ، فالبحث في سبل تحسين الوضع على الأرض انطلاقا مما ورد فيها كان خيرا من رفضها وطي صفحاتها الى إشعار آخر. والخطأ ثالث، وقع عندما رفض عرفات والقيادة الفلسطينية الدخول في بحث حلول مرحلية انتقالية جديدة، وأصر على الاتفاق حول جميع قضايا الحل النهائي أو عدم الاتفاق على شيء. ورفض التعاطي مع اقتراح باراك تأجيل قضيتي القدس واللاجئين مقابل تأجيل إنهاء النزاع. انطلاقا من نظرية كل شيء أو لا شيء التي ألحقت أضرارا واسعة بالمصالح الوطنية الفلسطينية عبر سنوات الصراع الطويلة.
عرفات تحدى شارون من داخل سجنه
رغم معرفة الفلسطينيين ان فوز شارون بمنصب رئاسة الوزراء، يعيد عجلة الصراع إلى مرحلة ما قبل حزيران "يونيو" ١٩٨٢، الا ان عرفات وقيادة م ت ف لم يتدخلوا لصالح باراك مرشح حزب العمل لا في السر ولا في العلن، بعكس الموقف في الانتخابات التي سبقت حيث عمل عرفات بوسائل متعدد على تشجيع العرب في إسرائيل التصويت لصالح باراك في مواجهة نتنياهو. وتوجه صباح يوم الثلاثاء ٦ شباط "فبراير" ٢٠٠١، الاسرائيليون الى صناديق الاقتراع، وقبل منتصف الليل ظهرت النتيجة كما كانت متوقعة، واعلن اوليا عن تقدم شارون على باراك بفارق كبير من الاصوات. وعاقب العرب في اسرائيل نتنياهو واستجابت اغلبيتهم الساحقة لدعوات المقاطعة التي اطلقتها احزاب عربية وامتنعت عن التصويت.
وأيا تكن خلفيات انتخاب شعب إسرائيل الجنرال شارون رئيسا للوزراء فانتخابه كان بمثابة انقلاب سياسي سلمي. لعبت أخطاء قيادة حزب العمل وتخبط رئيسه باراك، وانفجار"الانتفاضة" وعسكرتها من قبل فتح وحماس برضى وتشجيع عرفات وفشل مفاوضات الحل النهائي..الخ دورا محوريا في وقوعه. وهذا الانقلاب يؤكد تمرد أغلبية الاسرائيليين على الوفاق الدولي وعلى توجهات القوى والدولية الراغبة في تسوية النزاع بالطرق السلمية، وصنع الأمن والاستقرار والسلام في هذه المنطقة المضطربة من العالم.
وبعد فوزه في الانتخابات تصرف شارون بحنكة وذكاء، ودعا قادة حزب العمل في خطاب النصر الذي القاه ليلة ظهور النتائج، إلى العمل سويا في إطار حكومة وحدة وطنية. وفي سياق إغراء رموز هذا الحزب للانضمام لحكومته أبدى شارون شارون استعداه منح حزب العمل حقيبتي الدفاع والخارجية. وبشأن المفاوضات مع الفلسطينيين أكد انه لن يوافق على استئنافها في ظل العنف والإرهاب، ودعا الى التفكير في اتفاقات مرحلية طويلة الأمد طالما يتعذر التوصل الى حل نهائي. واتهم شارون عرفات بتشجيع الارهاب وطالب بوقفه قبل الجديث عن المفاوضات وعن أي لقاء. وقال: "سألتقي عرفات عندما يحين الوقت لكن ليس قبل وقف العنف والإرهاب". ولاحقا شن شارون في مقابلة صحفية مع جريدة هآرتس حملة قوية ضد عرفات شخصيا ووصفه كزعيم لمنظمة إرهابية خدع إسرائيل والعالم أكثر من ١٠ سنوات.
الى ذلك، توصل قادة حزبي العمل وليكود باسرع مما توقع المراقبون، إلى اتفاق ائتلاف مفصل لحكومة وحدة وطنية. وتسلم العمل أهم حقيبتين، الخارجية والدفاع. وكان مفهوما ان إسنادهما للعمل ليس كرم أخلاق من شارون، بل لتوريط حزب العمل في تصدر المواجهات مع الفلسطينيين وتولي تسويق جرائم أجهزة الأمن الإسرائيلية ضدهم في المحافل الدولية. وهذا ما حصل، وتحول بيريز الى داعية لواقعية شارون. واتفق الحزبان بسرعة على الخطوط العريضة لبرنامج عمل الحكومة وأهدافها، وبعد الإعلان عن الاتفاق ادركت القيادة الفلسطينية ان حزب العمل تراجع عن برنامجه، وقفز عن جميع التفاهمات التي طرحت في قمة كامب ديفيد ومحادثات طابا. وتأكد عرفات وأركانه خطأ تقديراتهم بشان العزلة التي سوف يعيشها شارون داخليا وخارجي، ومال بيريز وآخرون في قيادة حزب العمل بعد الهزيمة في الانتخابات الى لملمة اوضاعهم على حساب المبادئ والاخلاق والسلام مع الفلسطينيين.
إلى ذلك، اسرعت الدول الأوروبية دون استثناء إلى دعوة جميع الأطراف في المنطقة إلى الهدوء وضبط الأعصاب، وطالبت الفلسطينيين والعرب إعطاء شارون وحكومته فرصة. ورحبت الإدارة الأمريكية الجديدة بزعامة جورج بوش بفوز شارون ودعت الأطراف العربية إلى التعاطي مع شارون بروح إيجابية. وأعلنت أنها بصدد إعادة تقويم سياستها في الشرق الأوسط، وترغب بحصر دورها في حدود مسهل عملية السلام، ولا ترغب في القيام بدور رئيسي مباشر مشابه لما قامت به إدارة كلينتون. وبينت انها تعتبر النظام في العراق هو الخطر الأكبر على أمن واستقرار المنطقة، ويشجع على الفوضى ويعمل على تقوية التطرف والإرهاب. ولم يتردد أركان بوش في الحديث عن بناء جبهة موحدة ضد نظام صدام تضم إسرائيل وعددا من الدول العربية، وحمّل بعضهم صراحة عرفات مسئولية استمرار العنف ضد الاسرائيليين.
وأيدت إدارة بوش شرط حكومة شارون وقف العنف، أي وقف "الانتفاضة" قبل بدء المفاوضات. ودعمت صراحة توجهات شارون الداعية إلى عقد اتفاقات مرحلية طويلة الأمد. وخلال الفترة ذاتها قامت الطائرات الأمريكية والبريطانية بقصف مناطق قرب بغداد، وأعلنت إدارة بوش أنها تنظر للشرق الأوسط وحدة واحدة لا تتجزأ، وسياستها في المنطقة "حزمة كاملة من الخليج إلى الأبيض"، "ولا أحد يستطيع أن يركز على خطر وينسى الآخر"، ولا أن يطلب من أمريكا بأن "تضغط هنا على طرف وان تخفف هناك عن طرف غيره".
ورغم ان مواقف شارون المعلنة والمعروفة للجميع تؤكد ان وجوده على رأس الحكومة سيكون له ما بعده من نتائج سلبية على مجمل الوضع في المنطقة، الا ان القيادة الفلسطينية ظلت تتصرف باستهتار وكان شيئا لم يحصل. وبدلا من تجنب استفزاز شارون وتقديم المبررات له، زاد انصار عسكرة الانتفاضة في حركة فتح وحماس والجهاد الاسلامي عملياتهم ضد اسرائيل وضد المدنيين الاسرائيليين. وتعمد عرفات إلقاء خطاب أمام المجلس التشريعي بهدف توضيح الموقف الفلسطيني من تطور الوضع في اسرائيل. وتوقع المراقبون ان يتخذ عرفات مواقف تجنب شعبه خسائر اضافية. لكنه بدلا من التراجع والانحناء امام الزوبعة التي احدثها فوز شارون، تشدد عرفات وردد جملته الشهيرة "يا جبل ما يهزك ريح"، وشن حملة قوية ضد شارون ودان تصعيد الجيش والشاباك اعمال القتل والاغتيال ضد الفلسطينيين وحذر من خطورة سياسة شارون على وضع المنطقة. وجدد عرفات التزام م ت ف والسلطة الوطنية بعملية السلام، ودعا الى "استئناف مفاوضات الوضع الدائم من النقاط التي بلغتها في كامبب ديفيد وطابا وشرم الشيخ ونسي او تناسى ان حزب العمل لم يعد يهتم بهذه النقاط !
في تلك الفترة حاول ادارة بوش تدارك تدهو الوضغ، وتحرك وزير الخارجية باول لزيارة عدد من دول المنطقة، وفي لقاء مع رئيس السلطة الفلسطينية في رام الله ألقى باول محاضرة عن العنف والإرهاب ومخاطرهما وأهمية ومحاربتهما وطالب عرفات العمل على وقفهما فورا. ورد عرفات بان السلطة فعلت ولا تزال تفعل كل ما في وسعها لتهيئة أجواء مناسبة لاستئناف المفاوضات، لكن الطرف الآخر لم يترك وسيلة لتعكير هذه الأجواء إلا انتهزها. ورد الوزير "باول" إن إسرائيل تقول بشيء آخر، ولدى أجهزتها الأمنية معلومات تفصيلية عن تشجيع وتدبير عناصر في السلطة عمليات إرهابية. وزاد باول في الحديث، وتكلم عن اوضاع القيادة الفلسطينية ومدى سيطرتها على الأوضاع، وأشار إلى أن هناك من ورائها ومن حولها قيادات أخرى تتصرف على هواها. وطلب باول من ابوعمار أن يأمر بوقف العنف بصراحة ووضوح.
وانفعل ابوعمار ورد بصوت قوي مرتفع، مستهجنا طلب باول وحديثه الفظ، وقال: "تطلب من الضحية ما لا تطلبه من القاتل". وعدد عدد القتلى والجرحى من الأطفال والشيوخ والنساء والشباب، وأحصى عدد البيوت التي تهدمت وتضررت من الاعتداءات الإسرائيلية. واسترسل في شرح طرق تدمير إسرائيل الممنهج للاقتصاد الفلسطيني ومؤسسات السلطة، وتوترت أجواء الاجتماع، ولم يوجه باول دعوة لعرفات لزيارة واشنطن أسوة بالدعوة التي وجهت لشارون وزعماء آخرين التقى بهم. وشكلت القيادة الفلسطينية انطباعا سلبيا حول مواقف باول، خصوصا انه لم يتحدث إطلاقا عن العنف الإرهاب الإسرائيلي ولم يلتزم بعمل شيء يوقف العدوان المتواصل ضد الشعب الفلسطيني.
وبعد انتهاء زيارة باول، ترحم عدد من المفاوضين الفلسطينيين وناس السلطة على أيام الرئيس كلينتون، واستذكروا عدد المرات التي زار فيها ابوعمار واشنطن والتقى الرئيس كلينتون في البيت الأبيض، وعدد الساعات التي قضاها وهو يتحدث معه على الهاتف، وتفاصيل العروض الإسرائيلية الأمريكية التي قدمت للفلسطينيين في قمة كامب ديفيد وجولات المفاوضات في طابا. لكن عرفات والعرفاتيين لم يعترفوا بالخطأ ولم يمارسوا النقد الذاتي حول اخحطائهم وما تسببت به من خسائر فلسطينية بشرية واقتصادية ومعنوية. واستنتج بعضهم ان قدر الشعب الفلسطيني الصبر والصمود في عهد بوش، ودعوا الى متابعة النضال بكلب الوسائل وضمنها العمل العسكري وإقناع المواطن الإسرائيلي بالملموس ان شارون غير قادر على جلب الأمن الخاص للإسرائيليين ولا الأمن العام لإسرائيل، ومصيره لن يكون افضل من مصير نتنياهو وباراك. وراح بعضهم يخصي امام عرفات عدد رؤساء الحكومات الذين اطاح منذ عودته للوطن عام ١٩٩٤ بدءا من رابين مرورا ببيريز ونتنياهو وانتهاء بباراك. وقالوا حكم شارون لن يدوم اكثر من حكم باراك.
واستغل شارون وأركانه الموقف الامريكي وتصريحات باول عن الإرهاب واتهام النظام العراقي دعمه، في التغطية على مواقفهم وتصعيد عدوانهم. ورفعوا وتيرة هجومهم الإعلامي ضد الخطر الذي تمثله إيران والعراق على إسرائيل واستقرار المنطقة. واستغلوا النتائج البائسة للقاءات باول مع عرفات وسائر الزعماء العرب وشنوا حملة دبلوماسية وإعلامية غير مسبوقة ضد السلطة الفلسطينية ورئيسها، واتهموه بإدارة الإرهاب وتنظيمه ضد إسرائيل. ونشطت حكومة شارون في تعبئة الرأي العام العالمي بأن عرفات تحول من صانع سلام إلى خطر على أمن إسرائيل وأمن الشرق الأوسط كله. ورفضه الأفكار التي طرحها الرئيس كلينتون في قمة كامب ديفيد والعرض الذي تقدم به باراك هناك، وإصراره على عودة أكثر من أربعة ملايين لاجئ إلى إسرائيل..الخ يؤكد انه لم يعد رجل سلام ولا يمكن صنع السلام في حياته. وساندت ادارة بوش موقف حكومة شارون وتحول عرفات الى غطاء اخفى شارون خلفه جرائم كبيرة. ولم يفلح عرفات تجريد شارون مبررات اتهامه بانه منبع الارهاب، وظل على مواقفه من عسكرة الانتفاضة.
ورأى عرفات والقيادة الفلسطينية في الحملة الإسرائيلية فصل من مشروع خطير يبيته شارون ضد السلطة الفلسطينية ورئيسها وضد السلام مع العرب.واعتبرها ركنا أساسيا في خطة متكاملة مدعومة أمريكيا، هدفها ابتزاز القيادة الفلسطينية بأمل انتزاع تنازلات سياسية واستنزاف طاقات الشعب الفلسطيني وإذلاله. ولاحقا، بين مجرى الصراع أن اتهام عرفات مقدمة لاعمال كبيرة ضده وضد السلطة. وصادر شارون الأموال التي تجبيها إسرائيل من الضرائب والجمارك على بضائع يستوردها فلسطينيون. وراح يروج ان هذه الأموال تنفق على أجهزة ومؤسسات وجهات تمارس الإرهاب والعنف ضد إسرائيل. واتبع الاتهامات تصعيد في العمليات العدوانية ضد المدنيين وضد اجهزة ومؤسسات السلطة، وركز ضرباته ضد مراكز الشرطة والاجهزة الامنية. وساد اعتقاد في صفوف القوى الوطنية والإسلامية "قيادة الانتفاضة" أن شارون حصل على ضوء اخضر أمريكي للاستمرار في الضغط على الفلسطينيين وتصعيد أعماله الإجرامية، وتدمير السلطة والاتفاقات بين الطرفين وشطب مقومات دولة فلسطينية واعادة الوضع الى ما كان عليه قبل مؤتمر مدريد للسلام وقبل اتفاق اوسلو الذي وقعه رابين وعرفات عام ١٩٩٣.
ووقعت مواجهات عنيفة في معظم انحاء محافظات الضفة الغربية والقطاع، وارتكب الجيش الإسرائيلي جرائم بشعة ضد الناس في رفح وخان يونس والخليل. وقصفت الطائرات مقار أمن الرئاسة "قوات ال ١٧" في غزة ورام الله وخان يونس. واحكم الجيش إغلاق الطوق المضروب حول المدن والقرى في جميع المناطق، وجرف مساحات واسعة من الشوارع وباتت حركة السيارات على الطرق متعذرة، وصارت الحركة الراجلة نمطا من عذاب لا يطاق. ووضعت قيادة الجيش التزامات إسرائيل في اتفاق أوسلو وما تلاه من اتفاقات على الرف، ووسعت انتشار قواتها واحتلت مواقع قتالية جديدة في مناطق مصنفة " ب ".
يوم ٣٠ ايار ٢٠٠١ فجع الشعب الفلسطيني بوفاة فيصل الحسيني ابان زيارته للكويت. وبعد ٤٨ ساعة الاول من حزيران ٢٠٠١ فجر أحد الانتحاريين الحمساويين عبوة كبيرة من المتفجرات حملها على ظهره عند مدخل ملهى ليلي "الدولفانريوم" في تل ابيب. وقتل في تلك العملية ٢٠ مدنيا إسرائيليا وجرح أكثر من ١٠٠ آخرين. واهتزت إسرائيل للعملية، وحمل شارون السلطة الفلسطينية ورئيسها عرفات المسئولية. وقال، إسرائيل سوف تعرف كيف ترد وستلاحق المخربين في كل مكان ولن يحميهم وجودهم داخل مناطق السلطة ومقراتها، وسنهاجم المناطق تحولت إلى وكر للمخربين. وارتفعت أصوات مختلف الأحزاب الإسرائيلية تطالب بضرب الإرهاب والإرهابيين بيد من حديد. وسربت مصادر أوروبية وعربية معلومات للسلطة الفلسطينية خلاصتها ان شارون ينوي، ردا على العملية، إعادة احتلال المدن الفلسطينية وعاشت القيادة الفلسطينية والناس في الضفة وقطاع أجواء حرب حقيقية. وشرعت في اغلاق مداخل المدن ومنعت حركة السيارات على الطرقات وفرضت قيودا على حركة عرفات ومنعته مغادرة رام الله .
إلى ذلك، أدانت القيادة الفلسطينية العملية وأدانت قتل المدنيين الفلسطينيين والإسرائيليين وحملت حكومة شارون مسئولية تدهور الأوضاع. وأدانت الإدارة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي العملية، وطالب البعض عرفات تحمل مسئولياته ومنع استخدام الأراضي الخاضعة للسلطة في تنفيذ عمليات قتل للمدنيين الإسرائيليين الأبرياء. واعتبرت الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية الإدانة الفلسطينية الرسمية غير كافية. وأبلغت إدارة بوش القيادة الفلسطينية رسالة شديدة اللهجة، خلاصتها مطلوب بالإضافة لإدانة القيادة، إعلان عرفات شخصيا ادانة صريحة للعملية وجميع العمليات التي تستهدف المدنيين، وتجديد الالتزام بمكافحة الإرهاب وإعلان الموافقة على وقف إطلاق النار. وقالت الرسالة إعلان هذا الموقف يساعد في تخفيف رد الفعل الإسرائيلي القادم حتما والتدخل باتجاه ان لا يؤثر على مجمل الوضع في المنطقة.
استجاب ابو عمار وأدان العملية واعلن بحضور وزير الخارجية الالماني يوشكا فيشر وممثل الأمين العام للأمم المتحدة "تري لارسن" وقف اطلاق النار من جانب واحد. والتقى بعد يومين على عملية "الدولفينريوم" بممثلي القوى الوطنية والإسلامية "قيادة الانتفاضة" في رام الله، وكان ضمنهم ممثلون لحركة حماس والجهاد الإسلامي. ولخص أبوعمار نتائج الحركة السياسية التي أجرتها القيادة لإحباط ضربة عسكرية واسعة ومدمرة قرر شارون توجيهها ضد السلطة. وكانت تتضمن اقتحام المدن الفلسطينية وإنهاء وجود السلطة فيها وترحيل كوادر الأجهزة المدنية والمدنية إلى قطاع غزة، وقصف مقار القيادة. وشكك أبوعمار في نجاح الجهود الإقليمية والدولية في تعطيل الهجوم المبيت. وقال: شارون يبحث عن ذريعة لتنفيذ برنامجه ودفن عملية السلام والهروب من دفع استحقاقات الاتفاقات التي تم التوصل إليها مع من سبقوه والراعي الأمريكي صامت بانتظار انهيار الصمود الفلسطيني، ولم يتخذ موقفا حازما من مفذي العملية.
وأكد ابو عمار رفضه الخضوع للابتزاز الدولي والإرهاب الإسرائيلي. وقال: قدر الشعب الفلسطيني التصدي للعدوان وواجب سلطته وقواه الوطنية الدفاع نيابة عن الأمتين العربية والإسلامية عن الأرض والمقدسات الإسلامية والمسيحية بكل السبل والوسائل المتاحة. وفي الاجتماع ذاته، تحدث قادة الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية "قيادة الانتفاضة" وأشادوا جميعا بدور أبوعمار وحرصه على الوحدة الوطنية، وصموده في الظروف الصعبة والمعقدة في وجه الضغوط الإسرائيلية والدولية والإقليمية. وأبدى ممثلو الفصائل الوطنية والإسلامية، وضمنهم ممثل حركة حماس تفهما كاملا لقرار وقف إطلاق النار الذي أعلنه عرفات بحضور وزير الخارجية الألمانية "يوشكا فيشر"
وخرج جميع قادة القوى الوطنية من ذاك الاجتماع مصممون على الدفاع عن المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية، والتصدي بقوة وبالإمكانات المتاحة للجيش والمستوطنين. وقرروا الصمود في المواقع وإطالة أمد المعركة أطول فترة ممكنة في حال اقتحام الجيش الإسرائيلي المناطق الفلسطينية المأهولة بالسكان.
الى ذلك، كثف الجيش وأجهزة الأمن الإسرائيلية الهجمات ضد مراكز السلطة الفلسطينية. ورفع شارون وتيرة تهديده للسلطة الفلسطينية وقيادتها ووصفها بأنها عصابة إرهابية. وأرفق تهديده بتوسيع رقعة عملياته. وفرض طوقا محكما على المدن الفلسطيني وزاد القلق حول مستقبل السلطة، وارتفعت أصوات فلسطينية وازنة طالب أصحابها بالعمل على إعادة الاعتبار لدور م ت ف باعتبارها الإطار المعني بتنظيم العلاقات الفلسطينية العربية والدولية. وأعلنت الجبهتان الشعبية والديمقراطية في بيانين منفصلين انهما قررتا ممارسة الكفاح المسلح ضد إسرائيل. وأعلنتا باسمهما الصريح المسئولية عن عمليات نفتها خلاياهما المسلحة. واعتبرت إسرائيل هذا الإعلان تطورا خطيرا في المواقف الفلسطيني.
وتدهور الوضع اكثر وارتفعت حدة الاشتباكات المسلحة في جميع المناطق وفي محيط المدن القرى والمخيمات المحيطة، وارسلت الادارة اكثر من مبعوث لمنع تدهورالوضع وحاول جورج تنيت مدير الاستخبارات الامريكية ال C I A منع الانفجار وعقد جورج تنيت سلسلة لقاءات ثنائية مع قادة الطرفين ومع قادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية والإسرائيلية، استمرت أسبوعا كاملا، ٧ـ١٣/٦/٢٠٠١، ونجح في جمعهما على طاولة واحدة. في حينه تبنى "تنيت" وجهة نظر شارون كاملة، وفصل الترتيبات الأمنية عن الخطوات السياسية والعملية المساعدة على وقف إطلاق النار. وركز على رفع الحصار المضروب حول المدن الفلسطينية وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل يوم ٢٨ أيلول/سبتمبر ٢٠٠٠.
ووافق جورج تنيت على طلب شارون التزام الطرفين بوقف إطلاق النار وقفا تاما وشاملا مدة أسبوع قبل الشروع في تنفيذ الخطة. ولم يحاول الضغط على حكومة إسرائيل وانتزاع موافقتها على وجود مراقبين دوليين أو متعددي الجنسية لمراقبة الوضع وتحديد البادئ بخرق وقف إطلاق النار. وقفز قسرا عن الواقع، وأصر على أن تتولى لجان الارتباط العسكري الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة هذه المهمة. ونسي ان ما وقع بين الطرفين لا يمكن القفز عنه بهذه البساطة. وتبنى تنيت مشروع أجهزة الأمن الإسرائيلية ببناء مناطق عازلة محاذية للمستوطنات والمعسكرات والطرق الرئيسية وعلى حدود قطاع غزة مع مصر وحدود الضفة مع الأردن بدعوى منع الاحتكاك وتوفير الأمن للمستوطنين ومنع تهريب السلاح. كما تبنى طلب إسرائيل بضرورة إعادة اعتقال السلطة الفلسطينية الذين أفرجت عنهم. ومارس تنيت ضغوطا شديدة على رئيس السلطة الوطنية لقبول "خطته" لوقف إطلاق النار.
في حينه، رفض ابو عمار فكرة المناطق العازلة رفضا مطلقا واعتبرها خروجا عن كل الاتفاقات السابقة. ورفض إعادة اعتقال من افرج عنهم ما لم يرتكبوا أعمال جديدة تستحق الاعتقال والمحاكمة، وضمنها تهديد الاتفاق على وقف إطلاق النار. وطالب ابوعمار بفك الحصار الداخلي والخارجي الذي تفرضه إسرائيل على الشعب الفلسطيني، وأكد ان الحلول الأمنية لن يكتب لها النجاح إذا جردت من بعدها السياسي والاقتصادي.وبعد جدل ونقاش صعب وافق ابوعمار على وقف إطلاق النار. وغادر مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية المنطقة وهو يحمل ورقة عرفت بخطة تنيت لوقف إطلاق النار بين الطرفين. الا ان وقف اطلاق النار لم يصمد واغتال الجيش الاسرائيلي احد كوادر فتح الاساسيين رائد الكرمي في مدينة طولكرم، واواخر شهر تموز ٢٠٠١ اعتالت عضوي قيادة حماس الاولى حمال سليم وجمال منصور في مدينة نابلس. وأيقن ابو عمار ان شارون ماض في مخطط تدمير السلطة ودفن عملية السلام وما انبثق عنها من اتفاقات وراح يدير المعركة بشقيها الامني والسياسي من المقاطعة التي حولها شارون الى مكان اقامة جبرية لعرفات.
وفي غمرة انشغال الفلسطينيين بتشييع شهدائهم أقدمت حكومة شارون على محاصرة مدينة جنين ودخلت دباباتها المدينة. وكانت عمليتها أول اختراق بالدبابات للمدن. وحشد الجيش مزيدا من القوات حول المناطق الخاضعة لسلطة السلطة الفلسطينية. وقطع أوصال الضفة والقطاع وقسمهما إلى معازل وكنتونات، وأقام الجيش اكثر من٩٠ حاجز ونقطة تفتيش، وأغلقوا بالسواتر الترابية والكتل الإسمنتية جميع الطرق الرئيسة والفرعية المعبدة والترابية الواصلة بين المدن والقرى داخل الكانتون الواحد. وضيق الجيش الخناق على جميع المناطق الفلسطينية المأهولة بالسكان. وفرض عقوبات جماعية وصفها الدبلوماسيين أنها أقسى من إجراءات الابرتهايد التي فرضها النظام العنصري في جنوب أفريقيا في آخر زمانه.
إلى ذلك، لم يتأخر رد قوات عز الدين القسام على اغتيال قائدي حماس، وفجر أحد الانتحاريين نفسه يوم ٩ "اغسطس" ٢٠٠١ في مطعم "سبارو" في القدس الغربية في وقت كان يغص برواده معظمهم من الشبيبة. ودمر المطعم وقتل وجرح عدد كبير من الإسرائيليين. وكان وقع العملية اشد من وقع عملية ملهى الدولفنريوم. خصوصا أنها جاءت والجيش ا وقوات الشرطة وحرس الحدود في حالة استنفار ومعلومات أجهزة الاستخبارات تؤكد وقوع عملية "تخريبة" كبيرة. وارتفعت أصوات واسعة اتهمت شارون بالفشل في تحقيق الأمن الذي وعدهم به. وبدلا من البحث عن حل سياسي للعمليات العسكرية مضى شارون في حله الأمني المجرد. وأصدر أوامره بالرد على هذا الهجوم وقامت طائراته الحربية بتدمير مقر قيادة الشرطة الفلسطينية في الضفة الغربية تدميرا تاما، ودمرت مقر قيادة الشرطة في قطاع غزة بصورة جزئية.
وفي ٢٧ آب اغسطس ٢٠٠١ نفذ سلاح الجو الاسرائيلي امر شارون واغتال امين عام الجبهة الشعبية ابو علي مصطفقى في مكتبه في رام الله. وبغض النظر عن الدوافع والأسباب التي قدمها قادة الجيش الإسرائيلي للرأي العام وفي جلسات لجان الكنيست بشأن اغتيال القائد "ابوعلي مصطفى"، والمبررات التي ساقها بيريز وأركان حكومة شارون بِان الاغتيالات واختراق مناطق خاضعة لسلطة السلطة الفلسطينية تمت في سياق الدفاع عن النفس في مواجهة الإرهاب الفلسطيني، وليست موجهة ضد الناس العاديين..الخ فالتدقيق في العمليات يبين أنها ترجمة عملية للسياسة الهجومية التي قررها شارون، وهي جزء من خطة جهنمية متكاملة نقلت الحرب على الفلسطينيين مرحلة أعلى أكثر دموية تستهدف نسف طريق العودة إلى طاولة المفاوضات وإطلاق العنان للإرهاب الإسرائيلي يحصد أرواح الفلسطينيين وتدمير اعمدة السلطة ،وجعل حياة الناس شبه مستحيلة ودفعهم بالجملة والمفرق، لمغادرة أرضهم أو الاستسلام لإرادة إسرائيل، أو القيام بأعمال ينظر لها العالم الديمقراطي انها نوع الانتحار والجنون. وقراءة تسلسل الأعمال الإسرائيلية تؤكد نفاذ صبر شارون وقرر حسم الموقف خلال وقت قصير، خصوصا بعد ارتفاع خسائر إسرائيل في الشهور الأولى من عهده، واتهام الشارع الإسرائيلي له بالفشل في تحقيق الأمن الذي تعهد به
وبدلا من العمل على تقليص الخسائر الفلسطينية والانسحاب من ميدان العمل العسكري الذي يجيد شارون اللعب فيه واصل عرفات معركة التحدي، ولم تقصر قيادة الجبهة الشعبية في توفير الذريعة لشارون لتصعيد اعماله العدوانية واغتالت "كتائب الشهيد ابو علي مصطفى" الوزير الاسرائيلي المتطرف رحبعام زئيفي. واقتحم الجيش الاسرائيلي مدينة رام الله وحاصر عرفات في مقره. ومنذ ذلك التاريخ تصاعدت عمليات الجيش الاسرائيلي واقتحمت قواته المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية واحتلتها من جديد واحدة بعد اخرى وظل عرفات قيد الاقامة الجبرية في المقاطعة في مدينة رام الله. وعندما لم يتحرك أحد لنجدته قال: "أعرف أن الحصار سوف يطول وأنا أدفع ثمن موقفي ورفضي الاستسلام للشروط الإسرائيلية".
إلى ذلك، لم تتوقف حركة الرياح المضادة لما تشتهيه السفينة الفلسطينية عند حد فوز شارون وارتكابه جرائم كثيرة متنوعة بحق الفلسطينيين ارضا وشعبا ومزروعات، وقبل أن تنهي الانتفاضة عامها الأول اهتز العالم على وقع زلزال مدمر ضرب واشنطن ونيويورك. حين نفذت منظمة القاعدة الإرهابية يوم ١١سبتمبر٢٠٠١ عملية إرهابية خيالية لم يتوقعها أحد، فاقت قصتها كل ما يتصوره صناع الأفلام الخيالية: قامت عدة مجموعات بأدوات بدائية بالسيطرة على أربعة طائرات مدنية تقل مئات الركاب المدنيين. ولم يتردد الخاطفون في توجيه طائرتين نحو مبنيي التجارة العالمية المميزين بارتفاعهما الشاهق في نيويورك، واقتحما المبنيين بالطائرتين وركابهما بفارق زمني لا يتجاوز ثلث ساعة فقط. وبعد أقل من ساعة اقتحمت طائرة ثالثة مبنى وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون". أما الطائرة الرابعة فقد سقطت أو أسقطت فوق مقاطعة بنسلفانيا الأمريكية قبل أن تقتحم الهدف المحدد لها. وأسفر الهجوم عن مقتل قرابة آلاف المدنيين الأبرياء من جنسيات متعددة.ورغم ادانتها للعملية استمرت القيادة الفلسطينية على موقفها ولم يوقف انصار عسكرة الانتفاضة عملياتهم "الانتحارية" ضد المدنيين الاسرائيليين، ولم يتحرك عرفات جديا لاجبارهم.
وبصرف النظر عن النوايا يمكن القول ان استهتار عرفات واركانه بفوز شارون في الانتخابات ومواصلة اللعب في ملعب العمل العسكري، وعدم قراء نتائج وابعاد احداث ١١ سبتمبر على النزاع الفلسطيني الاسرائيلي، سهل على شارون الصاق تهمة الارهاب بالنضال الفلسطيني العادل والمشروع. وبررت إدارة بوش موقف شارون وانحازت له بشكل اعمى واتخذت موقفا عدوانيا من عرفات. وحصل شارون على غطاء أمريكي لمواقفه المعادية للسلام، وطور أعمال القتل ووسع عمليات الاعتقال، وواصل عملية تدمير السلطة واستمر في فرض الاقامة الجبرية على عرفات وابقاه في مقره سجينا بضع سنوات دون رادع. ولم يسمح له شارون مغادرة "المقاطعة" الا في رحلة العلاج الى باريس حيث توفي هناك وعاد ليدفن في المقاطعة بناء على وصيته بانتظار تحسن الظروف ونقله الى القدس كما كان يتمنى.
الى ذلك كله، اعتقد ان الايام سوف تبين صدق قول عرفات: "عقدنا الاتفاق مع الاسرائيليين وعدنا للوطن مقتنعين بصنع السلام، لكنا وجدنا مجتمعا اسرائيليا غير ناضج لسلام عادل، وقيادة عنجهية لا ترى أبعد من أنفها تحاول شطب التاريخ وتحويل السلام الى استسلام". وأجزم أن حب عرفات للحياة لم يحد من تضحيته من أجل فلسطين وكان صادقا حين قال: "يريدونني طريدا أو أسيرا وأنا أريدها شهيدا شهيدا شهيدا." وفي جميع الحالات يبقى رحيل عرفات خسارة لحقت بالفلسطينيي وبأنصار السلام.
واظن أن التاريخ سوف يخلد ذكرى أبو عمار الرمز. وبرغم الملاحظات الكثيرة التي يمكن ان تسجل على أسلوبه الفردي في إدارة الحكم وموقفه السلبي من المؤسسات، فإن ألد اعدائه لا يمكنهم إنكار أنه وحد شعبه تحت رايات منظمة التحرير وقاد ربعه نحو الاعتزاز بهويتهم الفلسطينية، وساهم في ايقاظ أمة من سباتها ونبهها إلى أخطار استراتيجية تحيق بها. وانه كان الوحيد القادر على خرق المحرمات وتحمل أعباء توقيع اتفاق حول قضايا الحل النهائي يتضمن تنازلات تاريخية، تماما كما تحمل في عام ١٩٩٦ وزر قرار الغاء بنود الميثاق الوطني الفلسطيني شبه المقدس عند كثير من الفلسطينيين. وأجزم أن القيادة الإسرائيلية ارتكبت خطأ استراتيجيا عندما لم تستثمر مرحلة عرفات في الوصول لحل نهائي للنزاع وسوف يدفع الشعبان الفلسطيني والإسرائيلي وشعوب المنطقة ثمنا باهظا لهذا الخطأ الجسيم.
وطبعا انصاف ابو عمار الرمز في توثيق التاريخ الفلسطيني لا يتعارض مع استخلاص العبر المفيدة من اخطاء ياسر عرفات. وامهر المحامين العرفاتيين لا يستطيعون تبرأته من تهمة زج الشعب الفلسطيني في معارك لا ضرورة لها ولم تكن قدرا لا مفر منه. بل كان بالامكان تفاديها وتجنيب الفلسطينيين بعض الآلام الكثيرة التي عانوها في في العقود الاربع الاخيرة..

.


Online address of this document: http://www.mnofal.ps/articles/?nb=530